20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

دول قاطعت الاحتلال عسكريا ودبلوماسيا..حين تبدأ عزلة إسرائيل من قلب أوروبا

وقفت جورجيا ميلوني خلال جولتها في معرض فينيتالي الدولي للنبيذ بمدينة فيرونا لتعلن، بعبارة مقتضبة وهادئة، أن حكومتها قررت تعليق التجديد التلقائي لاتفاقية التعاون الدفاعي مع إسرائيل.

بقلم: سماح عثمان
٢٠ أبريل ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
19 مشاهدة
عزلة إسرائيل

عزلة إسرائيل

وقفت جورجيا ميلوني خلال جولتها في معرض فينيتالي الدولي للنبيذ بمدينة فيرونا لتعلن، بعبارة مقتضبة وهادئة، أن حكومتها قررت تعليق التجديد التلقائي لاتفاقية التعاون الدفاعي مع إسرائيل.

هذه الاتفاقية، التي امتدت لسنوات طويلة، لم تكن مجرد وثيقة إدارية، بل شكلت إطارًا متكاملًا لتبادل المعدات العسكرية والتكنولوجيا الدفاعية بين جيشي البلدين، وأسفرت عن صفقات بارزة، من بينها حصول إسرائيل على مروحيات إيطالية.

اللافت أن الإعلان جاء على هامش الحدث، دون مؤتمر صحفي أو خطاب سياسي موسع، وكأن القرار تفصيل ثانوي في جدول مزدحم. غير أن هذا الإيجاز الظاهري يخفي تحوّلًا سياسيًا عميقًا، إذ إن تعليق الاتفاقية يقطع خيط تعاون امتد لأكثر من عقدين، ويضع حكومة يمينية أوروبية—كانت حتى وقت قريب تُصنَّف ضمن أكثر الحكومات قربًا من تل أبيب—في موقع مغاير تمامًا، يعكس تغيرًا تدريجيًا في المزاج السياسي الأوروبي.

تحولات دبلوماسية متسارعة

منذ هجمات 7 أكتوبر 2023، شهدت الساحة الدولية سلسلة من القرارات التي أعادت رسم خريطة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. في أمريكا اللاتينية، أعلنت بوليفيا قطع علاقاتها الدبلوماسية بشكل كامل في أكتوبر 2023، في خطوة اعتُبرت من أوائل المواقف الحادة ضد السياسات الإسرائيلية في غزة. تبعتها كولومبيا التي أعلنت في مايو 2024 إنهاء علاقاتها، في سياق تضامن إقليمي متصاعد، بينما استدعت تشيلي سفيرها، في إشارة احتجاج دبلوماسي واضحة.

وفي سياق متصل، قررت بليز تعليق علاقاتها الدبلوماسية، بينما ذهبت جنوب أفريقيا إلى خطوة أكثر تصعيدًا عبر سحب دبلوماسييها وإغلاق سفارتها في إسرائيل. هذه الإجراءات، رغم تباين مستوياتها، تعكس تحولًا نوعيًا في المواقف الدولية، حيث لم تعد الانتقادات مقتصرة على البيانات، بل امتدت إلى قرارات سيادية تمس جوهر العلاقات الثنائية.

قيود السلاح تتسع

على الصعيد العسكري، لم يكن القرار الإيطالي معزولًا. فقد أعلنت إيطاليا وقف تمديد الاتفاقيات العسكرية مع إسرائيل، إلى جانب تعليق صفقات بيع وشراء الأسلحة والتدريبات المشتركة. كما اتخذت إسبانيا خطوة مماثلة عبر تعليق تراخيص تصدير السلاح، في حين أعلنت كندا وقف صادراتها العسكرية المستقبلية.

وانضمت إلى هذا التوجه كل من هولندا وبلجيكا عبر فرض قيود صارمة أو إيقاف شحنات السلاح، بينما برزت سلوفينيا كأول دولة تفرض حظرًا كاملاً على تصدير السلاح لإسرائيل منذ يوليو 2025. ووفقًا لتقارير دولية، فإن هذا الاتجاه لا يقتصر على وقف التصدير فقط، بل يمتد إلى إعادة النظر في صفقات شراء الأسلحة من إسرائيل، ما يهدد أحد أهم مصادر نفوذها الاقتصادي والعسكري.

الرياضة تحت الضغط

لم تقتصر تداعيات العزلة على السياسة والعسكر، بل امتدت إلى المجال الرياضي، حيث تواجه الفرق الإسرائيلية تهديدات متزايدة بالإقصاء من البطولات الأوروبية. وتتصاعد دعوات لمنع مشاركتها في المنافسات القارية، بما في ذلك احتمال استبعادها من بطولة أوروبا لكرة القدم، بل وحتى من الألعاب الأولمبية.

هذا السيناريو يعيد إلى الأذهان العقوبات الرياضية التي فُرضت على روسيا عقب الحرب في أوكرانيا، ما يعكس توجهًا نحو استخدام الرياضة كأداة ضغط سياسي، تتجاوز حدود المنافسة لتصبح جزءًا من منظومة العقوبات الدولية.

حصار أكاديمي يتشكل

في الميدان الأكاديمي، تتسارع وتيرة المقاطعة بشكل غير مسبوق. فقد حذرت لجنة رؤساء الجامعات الإسرائيلية، وفق بيانات رسمية، من "تهديد بفرض حصار علمي على إسرائيل"، في إشارة إلى اتساع رقعة المقاطعة داخل الأوساط البحثية العالمية. وتشمل هذه الإجراءات استبعاد المؤسسات الإسرائيلية من برامج بحث أوروبية، ورفض التعاون مع باحثين إسرائيليين في جمعيات علمية، إضافة إلى قطع الشراكات الأكاديمية ووقف التبادل العلمي.

هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا داخل المؤسسات الأكاديمية لدورها الأخلاقي، خاصة في ظل تصاعد الانتقادات الدولية للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة منذ أكتوبر 2023، والتي وصفتها تقارير حقوقية بأنها مجازر واسعة النطاق بحق المدنيين، وسط دعم سياسي وعسكري مباشر من أمريكا، وفقًا لتقارير إعلامية ودولية متعددة.

مشهد يتغير بهدوء

ما يبدو في ظاهره قرارات متفرقة—من تعليق اتفاقية دفاعية إلى قيود على السلاح ومقاطعات أكاديمية—يتحول تدريجيًا إلى نمط دولي متكامل يعيد تعريف موقع إسرائيل على الساحة العالمية. قرار ميلوني، رغم هدوئه، لم يكن استثناءً، بل جزءًا من هذا التحول الأوسع، حيث تتآكل شبكة العلاقات التي اعتمدت عليها إسرائيل لعقود.

وفي الوقت الذي تحاول فيه الرواية الإسرائيلية تبرير سياساتها تحت غطاء الأمن، تتزايد المؤشرات على فقدانها القدرة على إقناع قطاعات واسعة من المجتمع الدولي، ليس فقط على المستوى الشعبي، بل أيضًا داخل دوائر صنع القرار، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: عزلة تتشكل ببطء، لكنها تتسع بثبات.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال