أشار تقرير استقصائي نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية في أبريل 2026 إلى أن الاحتلال الإسرائيلي شهد "أسبوعاً أسود" في القارة الأوروبية، حيث يرى مراقبون دوليون أن التطورات السياسية الأخيرة داخل الاتحاد الأوروبي تمهد لتحول استراتيجي واسع في علاقة بروكسل بتل أبيب.
وتأتي هذه التحولات في ظل تصاعد الانتقادات الأوروبية الحادة لحرب الإبادة في غزة وتنامي القلق الدولي من انفجار العنف في الضفة الغربية المحتلة، وقد تجلى هذا الانهيار الدبلوماسي في خسارة إسرائيل لأبرز حلفائها الإقليميين بسقوط فيكتور أوربان من السلطة في المجر، وهو الذي كان يمثل "درع الفيتو" الذي يحمي إسرائيل من العقوبات.
وبالتزامن مع ذلك، اتخذت إيطاليا خطوة لافتة بتعليق اتفاقية دفاعية رئيسية، في تحول اعتبره الخبراء طعنة في خاصرة العلاقات الوثيقة التي حافظت عليها روما مع حكومة الاحتلال لسنوات طويلة.
ويرى باحثون أوروبيون وإسرائيليون أن التغيير السياسي الجذري في بودابست قد يفتح الباب على مصراعيه أمام فرض عقوبات أوروبية طال انتظارها على المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية، وأكدت الباحثة مايا سيون تزيدكياهو، مديرة برنامج العلاقات الإسرائيلية الأوروبية في مركز "ميتفيم"، أن الفيتو المجري كان العائق القانوني الوحيد أمام تمرير حزمة العقوبات الشاملة، متوقعة أن يسارع الاتحاد الأوروبي لإعادة طرحها فور تشكيل الحكومة المجرية الجديدة بقيادة بيتر ماغيار، الذي أبدى استعداداً أكبر للتماشي مع التوجهات الأوروبية العامة.
وأضافت أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بات يُنظر إليه في العواصم الأوروبية باعتباره "يقف في الجانب الخاطئ من التاريخ"، وأنه تحول إلى رمز لحقبة الشعبوية التي بدأت تتهاوى في أوروبا.
اتفاقية الشراكة والضغط الشعبي المليوني
في إطار التصعيد الدبلوماسي، دعت دول مثل أيرلندا وإسبانيا وسلوفينيا إلى مناقشة جدية لالتزامات إسرائيل في مجال حقوق الإنسان بموجب "اتفاقية الشراكة" مع الاتحاد الأوروبي، وكتب وزراء خارجية الدول الثلاث رسالة حازمة إلى مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، أكدوا فيها أن الاتحاد لم يعد قادراً على البقاء في موقف المتفرج في ظل الظروف غير المحتملة في قطاع غزة وتصاعد جرائم المستوطنين.
ورغم أن العقوبات على المستوطنين قد تبدو رمزية في البداية، إلا أن تمريرها سيعزز الثقة داخل بروكسل للمضي قدماً نحو إجراءات اقتصادية أوسع، بما في ذلك تعليق أجزاء حيوية من اتفاقية الشراكة التي تعد الإطار الأساسي للعلاقات التجارية، ويُذكر أن الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأول للاحتلال، ومصدر رئيسي لتمويل الأبحاث العلمية عبر برنامج "هورايزون"، مما يجعل أي اهتزاز في هذه العلاقة تهديداً مباشراً للاستقرار الاقتصادي الإسرائيلي.
وبالتوازي مع التحركات الرسمية، يشهد الشارع الأوروبي غلياناً غير مسبوق، حيث دعا أكثر من 390 مسؤولاً أوروبياً سابقاً، بينهم شخصيات بوزن جوزيب بوريل وهانز بليكس، إلى تعليق اتفاقية الشراكة كلياً أو جزئياً، كما تجاوزت عريضة شعبية تحمل المطلب ذاته حاجز "المليون توقيع" في الدول الأعضاء الـ27، لتصبح العريضة الأسرع نمواً في تاريخ الاتحاد، ورغم أن تعليق الاتفاقية يتطلب أغلبية مؤهلة (15 دولة تمثل 65% من السكان)، إلا أن التحول المفاجئ في موقف إيطاليا، التي كانت تعد حصناً منيعاً لدعم إسرائيل تحت قيادة جورجيا ميلوني، قد يمنح المقترح زخماً جديداً يصعب صده، خاصة وأن ميلوني بدأت تدرك أن الفصل بين سياستها الخارجية المنحازة لإسرائيل ورأي عام إيطالي غاضب لم يعد ممكناً.
أزمة المصداقية وخطر "ازدواجية المعايير"
يشير الدبلوماسيون الأوروبيون إلى أن غياب إجراءات فعالة تجاه إسرائيل، مقارنة بالعقوبات الواسعة المفروضة على روسيا، أثار موجة من الانتقادات الدولية حول "ازدواجية المعايير" وهدد بتقويض مصداقية الاتحاد الأوروبي كقوة ناعمة تدافع عن القانون الدولي.
وظهرت هذه الحساسية بوضوح في خلاف علني نادر بين مسؤولين إسرائيليين وألمان، حين أدان سفير إسرائيل لدى ألمانيا تصريحات وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش التي هاجم فيها المستشار الألماني مستخدماً إشارات نازية، هذا النوع من الصدام يضع برلين في موقف محرج للغاية، حيث بدأ الرأي العام الألماني ينحرف تدريجياً عن الدعم التقليدي المطلق للحكومة الإسرائيلية، رغم الحساسية التاريخية المتعلقة بالمحرقة.
وعلى الجانب الآخر، تثير هذه التحولات قلقاً عميقاً لدى النخبة الاقتصادية في إسرائيل، وإن كان النقاش العام في تل أبيب لا يزال غارقاً في أخبار الحروب مع لبنان وإيران، وتقول الباحثة سيون تزيدكياهو إن الإسرائيليين يدركون جيداً اعتمادهم الأمني على الولايات المتحدة، لكنهم يجهلون تماماً أن الاتحاد الأوروبي هو رئتهم الاقتصادية الكبرى.
وأظهر استطلاع حديث أن ثلثي الإسرائيليين ينظرون للاتحاد الأوروبي كـ "خصم"، وهو جهل بالواقع الاقتصادي قد يؤدي إلى صدمة عنيفة إذا ما قررت بروكسل تفعيل أوراق ضغطها التجارية، إن العزلة التي يعيشها الاحتلال اليوم في أوروبا لم تعد مجرد سحابة صيف، بل هي تحول بنيوي في الوعي السياسي الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية.










