لم تتوقف آلة القمع الإسرائيلية عن الدوران في أزقة ومدن الضفة الغربية، حيث شنت قوات الاحتلال منذ مساء أمس وحتى فجر اليوم الإثنين حملة اعتقالات وتحقيقات ميدانية واسعة النطاق، وصفت بالأعنف خلال الأسابيع الأخيرة.
ووفقاً لبيانات رسمية صادرة عن نادي الأسير الفلسطيني، فقد طالت هذه الحملة ما لا يقل عن 80 مواطناً من مختلف محافظات الضفة بما فيها مدينة القدس المحتلة، ولم تستثنِ هذه العمليات الأطفال القصر أو الأسرى السابقين الذين قضوا سنوات في سجون الاحتلال، مما يعكس رغبة واضحة في كسر إرادة المجتمع الفلسطيني عبر استهداف رموزه وفئاته الأكثر ضعفاً وتأثيراً في آن واحد، ضمن استراتيجية العقاب الجماعي التي ينتهجها الاحتلال لإحباط أي تحرك شعبي رافض لسياسات التوسع والتهويد.
بيت أمر.. مأساة بلدة تئن تحت وطأة الاقتحام
تركزت ثقل العمليات العسكرية فجر اليوم في بلدة بيت أمر بمحافظة الخليل، التي تحولت إلى ساحة حرب حقيقية بعد أن اقتحمتها عشرات الآليات العسكرية مدعومة بوحدات خاصة من جيش الاحتلال. وأفاد نادي الأسير بأن البلدة وحدها شهدت اعتقال وتحقيق ميداني مع أكثر من 60 مواطناً فلسطيناً، حيث تم اقتحام المنازل بشكل وحشي وتجميع الشبان في مراكز احتجاز مؤقتة داخل البلدة.
هذه الحملة لم تكن مجرد عملية اعتقال روتينية، بل تخللها تحقيقات قاسية تهدف إلى جمع معلومات استخباراتية وبث الرعب في نفوس السكان، وتأتي هذه التطورات في ظل تصعيد مستمر تشهده محافظة الخليل التي تعاني من تضييقات أمنية مشددة واعتداءات متكررة من قبل المستوطنين وجنود الاحتلال على حد سواء.
التحقيق الميداني: سياسة ثابتة لترهيب الآمنين
أشار التقرير الحقوقي لنادي الأسير إلى تحول خطير في سلوك جيش الاحتلال خلال الاقتحامات، يتمثل في مأسسة ما يعرف بـ "التحقيق الميداني" كسياسة ثابتة وممنهجة.
لم يعد الاحتلال يكتفي باقتياد المعتقلين إلى مراكز التحقيق الرسمية، بل يعمد إلى تحويل المنازل الفلسطينية إلى غرف تحقيق فورية، حيث تُجبر العائلات، بما في ذلك النساء والأطفال وكبار السن، على مغادرة غرفهم والبقاء في العراء أو في غرف ضيقة تحت الحراسة المشددة. يترافق ذلك مع أعمال ترهيب وتخريب متعمد للممتلكات، حيث يتم تكسير الأثاث وتمزيق المفروشات وسرقة الأموال والمصاغ الذهبي في كثير من الأحيان، وهي ممارسات تهدف إلى تدفيع الفلسطينيين ثمناً باهظاً لصمودهم فوق أرضهم، وتحويل حياتهم اليومية إلى سلسلة لا تنتهي من القلق والخوف.
أرقام مرعبة: الضفة الغربية تواجه خطر الإبادة الصامتة
منذ بداية العام الجاري 2026، سجلت مراكز الرصد الحقوقية تصاعداً مخيفاً في وتيرة الاعتقالات بالضفة الغربية، حيث بلغت حالات الاعتقال نحو 2000 حالة في أقل من أربعة أشهر.
هذا الارتفاع الجنوني يشير إلى أن الاحتلال قد قرر تسريع وتيرة القمع لمواجهة حالة الغليان الشعبي، مستغلاً الانشغال الدولي بالأحداث الإقليمية.
ويؤكد نادي الأسير أن هذه الأرقام هي جزء من نهج ممنهج يستهدف الوجود الفلسطيني، حيث يسعى الاحتلال عبر أدوات القمع والسيطرة إلى تفريغ الساحة الفلسطينية من الكوادر الفاعلة، وتحويل الضفة إلى سجن كبير تتحكم في مداخله ومخارجه الحواجز العسكرية وبوابات المستوطنات التي تنهش الجسد الفلسطيني يوماً بعد يوم.
فاتورة الدم والاعتقال منذ أكتوبر 2023
لا يمكن فصل ما يجري اليوم عن السياق العام الذي بدأ منذ انطلاق حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة في أكتوبر 2023، حيث شنت دولة الاحتلال حرباً موازية في الضفة الغربية أسفرت عن نتائج كارثية على كافة المستويات.
فقد استشهد منذ ذلك التاريخ أكثر من 1,148 فلسطينيًا برصاص الجيش والمستوطنين، وأصيب نحو 11,750 آخرين بجروح متفاوتة، بينما بلغت حصيلة الاعتقالات حوالي 9,600 حالة.
هذه الإحصائيات تعكس حجم الهجمة الشرسة التي لا تفرق بين المدنيين والمقاتلين، وتؤكد أن الاحتلال يستخدم كافة الوسائل المتاحة، من القصف الجوي إلى الاقتحامات البرية والاعتقالات الجماعية، لفرض واقع جديد يخدم أهدافه التوسعية ويقضي على أي أمل في إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
أمام هذه الجرائم المتواصلة، تبرز حاجة ملحة لتحرك دولي قانوني وإنساني لوقف نزيف الدماء والاعتقالات في الضفة الغربية. إن الصمت الدولي المريب تجاه ما يتعرض له الأسرى والمعتقلون من تعذيب وتنكيل داخل السجون، وما تتعرض له العائلات خلال الاقتحامات الميدانية، يشجع الاحتلال على المضي قدماً في انتهاكاته الصارخة للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الرابعة.
إن المؤسسات الحقوقية الفلسطينية والدولية تطالب اليوم بضرورة توفير حماية دولية عاجلة للشعب الفلسطيني، وتفعيل أدوات المساءلة والمحاسبة لقادة الاحتلال المتورطين في جرائم الحرب، لضمان عدم الإفلات من العقاب ولوضع حد لهذه المعاناة التي طال أمدها وتجاوزت كل الخطوط الحمراء.










