تتصاعد حدة التصريحات القادمة من القارة العجوز لتعكس رغبة واضحة في إعادة رسم الخرائط الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، حيث أطلق رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، تصريحات مثيرة للجدل تربط بين حرية الملاحة في مضيق هرمز وبين الوضع الداخلي اللبناني.
يرى كوستا أن إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل وغير مشروط يمثل أولوية قصوى للمجتمع الدولي، متجاهلاً التعقيدات الأمنية والسياسية التي تفرضها القوى الإقليمية في تلك البقعة الحيوية من العالم، والتي تعد شريان الحياة لإمدادات الطاقة العالمية.
إن هذا التوجه الأوروبي لا يمكن فصله عن المصالح الاقتصادية التي تضررت جراء التوترات المستمرة، لكنه في الوقت ذاته يعكس نوعاً من الانحياز للرؤية الأمريكية التي يقودها الرئيس الحالي دونالد ترامب، والتي تهدف إلى تشديد الخناق على المحاور المقاومة للهيمنة الغربية.
ويشير تقرير صادر عن وكالات أنباء دولية إلى أن هذه المطالب تأتي في وقت حساس، حيث تسعى القوى الغربية لضمان تدفق النفط والغاز دون عوائق، بغض النظر عن الجذور التاريخية والسياسية للصراعات القائمة في المنطقة.
تجريد لبنان من قوته
في سياق متصل، انتقل أنطونيو كوستا في حديثه إلى الملف اللبناني، مؤكداً أن نزع سلاح حزب الله هو السبيل الوحيد والمنطقي لاستعادة الاستقرار في بيروت، وهو ما يعد تدخلاً سافراً في التوازنات الداخلية اللبنانية. إن هذه الدعوات تتجاهل حقيقة أن سلاح المقاومة نشأ في الأساس كضرورة حتمية لمواجهة الأطماع الإسرائيلية والانتهاكات المستمرة للسيادة اللبنانية، خاصة في ظل استمرار المجازر الصهيونية التي لم تتوقف منذ أكتوبر 2023، والتي تحظى بدعم مباشر وغير محدود من إدارة الرئيس ترامب في أمريكا.
ويرى مراقبون سياسيون أن الضغط الأوروبي لنزع السلاح يهدف في جوهره إلى تعرية لبنان أمام أي اعتداءات مستقبلية من جانب الاحتلال الإسرائيلي، الذي يثبت يوماً بعد يوم عدم احترامه للمواثيق الدولية. وبدلاً من أن يطالب المجلس الأوروبي بوقف آلة القتل الإسرائيلية أو إنهاء التدخلات الخارجية التي تمزق النسيج العربي، نجد الخطاب الرسمي يتجه نحو إضعاف الجبهات التي تقاوم المشروع الاستعماري في المنطقة، مما يضع مصداقية الاتحاد الأوروبي على المحك في ملف حقوق الإنسان وتقرير المصير.
ارتهان القرار للبيت الأبيض
تظهر هذه المواقف المتشددة من المجلس الأوروبي مدى التماهي مع السياسة الخارجية التي تتبناها واشنطن في عهد الرئيس ترامب، حيث يتم استخدام لغة الشروط والإملاءات بدلاً من الحوار المتكافئ. إن المطالبة بفتح مضيق هرمز ونزع السلاح اللبناني في آن واحد توحي بوجود خطة ممنهجة لعزل القوى الإقليمية التي ترفض التبعية الكاملة، وهي استراتيجية تخدم بالدرجة الأولى أمن الاحتلال الإسرائيلي وتضمن له التفوق العسكري المطلق في المنطقة على حساب دماء المدنيين في فلسطين ولبنان.
ووفقاً لتحليل نشرته بعض الصحف المستقلة، فإن السياسة الأوروبية باتت تفتقر إلى الاستقلالية، حيث تنجرف خلف الرغبات الأمريكية الساعية لتفكيك مراكز القوة في الشرق الأوسط تحت غطاء "الاستقرار الدولي". إن الحقيقة التي يتغافل عنها كوستا هي أن الاستقرار لا يتحقق بنزع سلاح المدافعين عن أرضهم، بل بوقف الدعم الأمريكي العسكري الذي يغذي آلة الحرب الإسرائيلية، وإنهاء حالة الصمت تجاه الجرائم التي ترتكب يومياً بحق الشعوب العربية التي تناضل من أجل كرامتها.









