في سياق واقع معقّد تُعاد فيه صياغة أدوات البقاء يومًا بعد آخر، تبرز التكنولوجيا بوصفها أحد المسارات القليلة القادرة على كسر العزلة وإعادة تشكيل الحد الأدنى من الفاعلية داخل قطاع غزة، فمع تآكل بنية الاقتصاد التقليدي تحت وطأة الأزمات المتلاحقة، يفتح الفضاء الرقمي نافذة بديلة تُعيد تعريف مفهوم العمل والإنتاج، وتمنح الأفراد فرصة للارتباط بسوق يتجاوز الحدود الجغرافية والقيود الميدانية.
في هذا الإطار، يقدّم سائد حسونة، خبير الإعلام الرقمي وهندسة أنظمة التأثير في حوار خاص لموقع 180 تحقيقات، قراءة تحليلية لدور التكنولوجيا في دعم الاقتصاد المحلي، مستعرضًا كيف يمكن للمهارات الفردية أن تتحول إلى قوة إنتاجية حقيقية، وما الذي يحتاجه الاقتصاد الرقمي ليصبح رافعة جماعية لا مجرد تجارب فردية متفرقة، كما يناقش التحديات التقنية والبنيوية التي تعيق هذا التحول، ويطرح رؤى عملية لتعزيز بيئة التمكين الرقمي، .
وإليكم نص الحوار:
كيف يمكن للتكنولوجيا أن تساهم في دعم الاقتصاد المحلي في قطاع غزة رغم ضعف البنية التحتية والظروف الاستثنائية؟
في ظلّ الظروف الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة، لم تعد التكنولوجيا ترفًا تنمويًا أو خيارًا مؤجلًا، بل أصبحت إحدى الأدوات القليلة القادرة على إعادة تشكيل الحد الأدنى من الفاعلية الاقتصادية والاجتماعية داخل بيئة تتعرض لضغط مستمر على مستوى البنية التحتية والموارد والاتصال بالعالم، ما يميز الحالة الغزية أن الاقتصاد التقليدي يتعرض بصورة متكررة للانكماش بفعل القيود الميدانية وتعطل سلاسل الإنتاج والخدمات، ولذلك فإن أي مساحة رقمية قابلة للعمل تمثل اليوم امتدادًا مباشرًا لقدرة المجتمع على الصمود، سواء عبر الخدمات الرقمية، أو التعليم الإلكتروني، أو التجارة الإلكترونية المحدودة، أو العمل الحر المرتبط بالأسواق الخارجية.
التكنولوجيا يمكن أن تدعم الاقتصاد المحلي في غزة من خلال تحويل المهارات الفردية إلى قيمة اقتصادية قابلة للتصدير حتى في غياب البنية الإنتاجية الكاملة. في بيئات الأزمات، لا يكون الرهان على المصانع الكبرى أو المشاريع الثقيلة، بل على الاقتصاد المعرفي منخفض الكلفة، أي البرمجة، التصميم، إدارة المحتوى، الترجمة، التسويق الرقمي، الخدمات التقنية، والتطوير البرمجي المرتبط بمنصات خارجية. هذا النموذج يمنح الشباب قدرة على إنتاج دخل مستقل نسبيًا عن القيود الجغرافية، ويخلق دورة اقتصادية جديدة قائمة على المهارة لا على الحركة الفيزيائية. الأهم أن هذا النوع من الاقتصاد يعيد توزيع الفرص داخل المجتمع لأنه يربط الفرد مباشرة بالسوق العالمية بدل بقنوات تشغيل محلية محدودة.
إلى أي مدى يمكن للاقتصاد الرقمي والعمل عن بُعد أن يشكّلا بديلًا حقيقيًا للشباب الذين فقدوا وظائفهم في غزة؟
الاقتصاد الرقمي والعمل عن بُعد يمكن أن يشكلا بالفعل بديلًا حقيقيًا لشريحة واسعة من الشباب الذين فقدوا وظائفهم، لكن بشرط ألا يُنظر إليهما باعتبارهما مجرد فرص فردية متفرقة، بل كمسار اقتصادي منظم يحتاج إلى بيئة تمكين واضحة. العمل الحر عبر الإنترنت أثبت خلال السنوات الماضية أن غزة تمتلك قاعدة بشرية قادرة على المنافسة، لكن التحول من حالات فردية ناجحة إلى كتلة اقتصادية مؤثرة يتطلب بنية دعم تشمل التدريب، إدارة المدفوعات، الحماية القانونية، والوصول المستقر إلى المنصات الدولية. التحدي هنا ليس فقط في امتلاك المهارة، بل في بناء موثوقية رقمية جماعية تسمح للعامل الغزي بالدخول في سلاسل عمل طويلة الأمد مع الخارج.
ما أبرز التحديات التقنية (مثل انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت) التي تعيق التحول الرقمي في قطاع غزة، وكيف يمكن تجاوزها؟
أما التحديات التقنية، فهي جوهرية لأنها تمس أصل العملية الرقمية نفسها. انقطاع الكهرباء لا يعني فقط توقف الأجهزة، بل يعني تعطيل التراكم الإنتاجي، فقدان الجلسات التعليمية، تعطل الاجتماعات، وتأثر الالتزام المهني مع العملاء الخارجيين. كذلك ضعف الإنترنت أو انقطاعه يضعف القدرة التنافسية ويؤثر على الثقة في أي تعاون رقمي. تجاوز هذه العقبات يحتاج إلى حلول مرنة تبدأ من التوسع في أنظمة الطاقة البديلة الصغيرة، خصوصًا الطاقة الشمسية المنزلية والمجتمعية، وتمرّ بإنشاء مساحات عمل مشتركة مدعومة تقنيًا، وتنتهي بتطوير نماذج تشغيل تعتمد على المرونة الزمنية وتخزين الأعمال محليًا عند تعذر الاتصال المستمر. في بيئات الهشاشة، الحلول ليست مركزية بل موزعة، لأن أي نقطة فشل واحدة قد تعطل منظومة كاملة.
كيف يمكن للمنصات التعليمية الرقمية أن تساعد في تعويض الفاقد التعليمي للشباب في غزة؟
المنصات التعليمية الرقمية تملك أهمية مضاعفة في غزة لأنها لا تعوض فقط فاقدًا تعليميًا ناتجًا عن تعطل المؤسسات، بل تحافظ أيضًا على استمرارية الارتباط المعرفي لدى جيل كامل معرض للانقطاع. القيمة الحقيقية لهذه المنصات ليست في المحتوى وحده، بل في قدرتها على إعادة تنظيم الوقت، وإعادة خلق بيئة تعلم حتى لو كانت غير مثالية. التعليم الرقمي اليوم يجب أن يُبنى على محتوى منخفض الاستهلاك للبيانات، قابل للاستخدام دون اتصال دائم، ومصمم وفق واقع الانقطاع المتكرر. كما أن التركيز يجب أن ينتقل من التعليم الأكاديمي التقليدي فقط إلى المهارات التطبيقية المرتبطة مباشرة بسوق العمل الرقمي، لأن التعافي الاقتصادي في غزة يحتاج إلى مهارات قابلة للتحويل السريع إلى دخل.
ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الشركات التكنولوجية العالمية في دعم الابتكار وريادة الأعمال في قطاع غزة؟
أما الشركات التكنولوجية العالمية، فبإمكانها لعب دور بالغ الأهمية إذا انتقلت من منطق المبادرات الرمزية إلى منطق الاستثمار في القدرة البشرية. المطلوب ليس فقط منح تدريب مجاني أو دورات قصيرة، بل بناء شراكات تتيح الوصول إلى المنصات، وتسهيل أدوات الدفع، ودعم الحاضنات الرقمية، وتوفير برامج احتضان عن بُعد تستهدف الريادة المحلية. غزة تمتلك كثافة بشرية شابة، وهذه الكثافة إذا وُضعت داخل بيئة رقمية متصلة يمكن أن تتحول إلى طاقة إنتاجية حقيقية. كذلك فإن الشركات الكبرى قادرة على المساهمة في تخفيف العزلة الرقمية عبر برامج وصول مرن للبنية السحابية، ومنح تراخيص تقنية، ودعم المجتمعات المطورة محليًا.
الخلاصة أن التكنولوجيا في غزة ليست مجرد وسيلة تحديث، بل أصبحت جزءًا من معادلة البقاء الاقتصادي وإعادة إنتاج الفرص داخل بيئة عالية الاضطراب، وكل استثمار في المهارة الرقمية أو التعليم الرقمي أو الاتصال المرن هو في جوهره استثمار في قدرة المجتمع على الاستمرار، لأن المستقبل في البيئات المحاصرة لا يُبنى فقط بما هو متاح ماديًا، بل بما يمكن إنتاجه معرفيًا رغم كل القيود.
في المحصلة، يتضح أن التكنولوجيا في غزة لم تعد مجرد أداة مساعدة أو خيارًا موازيًا، بل تحولت إلى مساحة فعلية لإعادة إنتاج الحياة الاقتصادية والمعرفية في ظل واقع شديد التعقيد، وبين محدودية الموارد وتحديات البنية التحتية، يظل الفضاء الرقمي أحد أهم المنافذ القادرة على منح الشباب فرصة للانخراط في اقتصاد عالمي يعتمد على المهارة أكثر من المكان.
ويؤكد هذا الطرح أن التحول الرقمي في السياق الغزي لا يمكن أن ينجح بمعزل عن رؤية شاملة تجمع بين التدريب، وتوفير البنية التقنية، وبناء الثقة في العمل عن بُعد، بما يضمن الانتقال من المبادرات الفردية إلى منظومة إنتاج مستدامة، وهنا تصبح التكنولوجيا ليس فقط وسيلة للصمود، بل أفقًا لإعادة تعريف الإمكانيات داخل بيئة تبحث عن مسارات جديدة للاستمرار والتطور رغم كل القيود








