20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

أمريكا ترفع العقوبات عن إريتريا: ما علاقة إيران والبحر الأحمر؟

تبحث إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سبل إعادة ضبط العلاقات مع إريتريا، التي تسيطر على موقع جيوسياسي بالغ الأهمية على البحر الأحمر، في وقت تهدد فيه إيران بخنق ممر بحري حيوي ثانٍ. وهذا الممر هو مضيق باب المندب

بقلم: أخبار ومتابعات
٢٣ أبريل ٢٠٢٦
12 دقائق قراءة
67 مشاهدة
أميركا ترفع العقوبات عن إريتريا: كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس بمقر الأمم المتحدة في نيويورك. 23 سبتمبر 2025 - Reuters

أميركا ترفع العقوبات عن إريتريا: كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس بمقر الأمم المتحدة في نيويورك. 23 سبتمبر 2025 - Reuters

تبحث إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سبل إعادة ضبط العلاقات مع إريتريا، التي تسيطر على موقع جيوسياسي بالغ الأهمية على البحر الأحمر، في وقت تهدد فيه إيران بخنق ممر بحري حيوي ثانٍ. وهذا الممر هو مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، وتزداد خطورته على خلفية الحرب الأمريكية – الإيرانية المشتعلة. فإيران تسعى عبر حلفائها في المنطقة إلى تعطيل الملاحة في أكثر من ممر مائي استراتيجي، مما يهدد الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.

وقد أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال"، نقلاً عن مسؤولين حاليين وسابقين مطلعين، أن كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، أبلغ نظراء أجانب بقرار واشنطن الجديد. فالإدارة الأمريكية تعتزم البدء في رفع بعض العقوبات المفروضة على إريتريا، التي تمتد سواحلها على البحر الأحمر لأكثر من 700 ميل. وهذا الخطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في السياسة الأمريكية تجاه دولة ظلت معزولة دولياً لعقود بسبب سجلها الحقوقي.

وأوضحت الصحيفة أن هذه الخطوة تأتي ضمن جهود إدارة ترامب لإعادة العلاقات الدبلوماسية رفيعة المستوى مع أسمرة لأول مرة منذ عقود من القطيعة والتوتر. ومع ذلك، أشار مسؤولون آخرون إلى أن خطة تطبيع العلاقات ورفع العقوبات "لا تزال قيد المراجعة ولم تُحسم بعد"، مما يعني أن القرار النهائي لم يتخذ بعد. وهذا التردد يعكس انقسامات داخل الإدارة الأمريكية بين من يرى في إريتريا حليفاً محتملاً، ومن يعتبرها نظاماً لا يستحق المكافأة.

تهديد إيراني

أشارت الصحيفة إلى أن التحرّك الدبلوماسي الأمريكي يأتي في لحظة حساسة، بالتزامن مع تهديد جماعة أنصار الله في اليمن بإغلاق حركة الملاحة في البحر الأحمر، ومنذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة وإيران من جهة أخرى، تصاعدت الهجمات على السفن التجارية والعسكرية في المنطقة بشكل غير مسبوق، مما دفع كبريات شركات الشحن إلى تغيير مساراتها.

وذكرت الصحيفة أن خطة إعادة ضبط العلاقات مع إريتريا سبقت اندلاع الحرب على إيران، إلا أن التطورات الأخيرة عززت بشكل كبير أهمية هذه السياسة. فتحركات طهران لإغلاق مضيق هرمز جعلت البحر الأحمر أكثر أهمية من أي وقت مضى، باعتباره الممر المائي البديل الحيوي الذي تستخدمه بعض أكبر الدول المصدرة للنفط في الشرق الأوسط. والسعودية والإمارات والكويت والعراق، كلها تعتمد على هذا الممر لتوصيل صادراتها النفطية إلى الأسواق الأوروبية والأميركية.

لذلك فإن أي تعطيل للملاحة في البحر الأحمر سيكون له تداعيات كارثية على أسعار الطاقة العالمية، وهو ما تدركه واشنطن تماماً. وبالتالي، فإن التقارب مع إريتريا التي تطل على هذا الممر المائي الحيوي، قد يمنح الولايات المتحدة نقاط قوة إضافية في مواجهة النفوذ الإيراني المتوسع. فأسمرة يمكن أن تصبح قاعدة خلفية متقدمة للعمليات البحرية الأمريكية، ومركزاً للاستخبارات ومراقبة تحركات الحوثيين وحلفائهم.

لقاء القاهرة

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين ومشاركين في المحادثات قولهم، إن مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس ترامب، عقد اجتماعاً خاصاً مع الرئيس الإريتري، أسياس أفورقي، في العاصمة المصرية القاهرة أواخر العام الماضي. ودار اللقاء حول هدفين رئيسيين: تخفيف العقوبات الأمريكية المفروضة على أسمرة، وإطلاق حوار رفيع المستوى يهدف إلى إعادة ضبط العلاقات الثنائية بشكل كامل. وهذا اللقاء شكل خرقاً دبلوماسياً مهماً، إذ أن الرئيس الإريتري نادراً ما يلتقي بمسؤولين أمريكيين من هذا المستوى الرفيع.

والتقى بولس، الاثنين الماضي، بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة مجدداً، حيث أفاد مسؤولون بأن مصر تلعب دوراً محورياً في تسهيل الحوار بين واشنطن والرئيس الإريتري. فالقاهرة تمتلك علاقات قوية مع أسمرة، وتعتبر نفسها طرفاً رئيسياً في أي ترتيبات أمنية تخص البحر الأحمر والقرن الإفريقي. وبحسب مسؤولين مطلعين، فإن بولس أبلغ السيسي خلال الاجتماع بأن واشنطن تعتزم البدء قريباً في رفع العقوبات عن إريتريا، وهي رسالة أراد توجيهها عبر وسيط موثوق.

كما أشار المسؤولون إلى أن بولس كان قد التقى في سبتمبر الماضي بوزير الخارجية الإريتري عثمان صالح محمد، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وهذه السلسلة من اللقاءات المتتالية تعكس جدية الإدارة الأمريكية في ملف إعادة ضبط العلاقات، وعدم اقتصار الأمر على مجرد تصريحات إعلامية. فكل لقاء كان يليه آخر، وكل اجتماع كان يبني على ما قبله، مما يشير إلى تخطيط مدروس وخطوات منهجية نحو التطبيع الكامل.

تعزيز العلاقات مع إريتريا

قال متحدث باسم الخارجية الأمريكية، إن إدارة ترامب تتطلع إلى تعزيز العلاقات مع شعب وحكومة إريتريا، وهو تصريح عام لم يقدم تفاصيل إضافية عن طبيعة هذا التعزيز أو آلياته. لكن المتحدث رفض الرد بشكل مباشر على أسئلة الصحيفة المتعلقة بتخفيف العقوبات، مكتفياً بعبارات دبلوماسية مراوغة. كما لم ترد وزارة الخارجية المصرية أو السفارة الإريترية في واشنطن على طلبات "وول ستريت جورنال" الحصول على تعليق رسمي، مما يزيد الغموض حول حقيقة ما يجري خلف الكواليس.

وأوضحت الصحيفة أن اتخاذ قرار نهائي بشأن إعادة ضبط العلاقات بين واشنطن وأسمرة "تأرجح بين التقدم والتراجع خلال الأشهر الأخيرة"، وهي عبارة تكشف عن صراع داخلي داخل الإدارة الأميركية. ويعزى هذا التردد جزئياً إلى انشغال كبار صناع القرار في إدارة ترامب بأزمات سياسية خارجية كبرى أخرى، لا تقل أهمية عن ملف البحر الأحمر. فالحرب على غزة والصراع المباشر مع إيران يستهلكان معظم وقت وطاقة البيت الأبيض والبنتاجون، مما يؤجل البت في ملفات أخرى تعتبر أقل إلحاحاً.

ومع ذلك، فإن الأهمية الاستراتيجية لإريتريا لا تقل عن أي من هذه الملفات، بل قد تكون مكملة لها في النهاية. فالسيطرة على البحر الأحمر تعني القدرة على حماية إسرائيل من جهة الجنوب، ومواجهة التمدد الإيراني في اليمن والصومال، وضمان تدفق النفط من الخليج إلى أوروبا. لذلك فإن أي تأخير في اتخاذ القرار بشأن إريتريا قد يكلف واشنطن غالياً على المدى القصير والمتوسط، في ظل سباق إقليمي ودولي محموم على النفوذ في هذه المنطقة الحيوية.

كنز جيوسياسي

وأشارت الصحيفة إلى أن إريتريا ليست مجرد دولة ساحلية عادية، بل هي غنية بالموارد المعدنية الثمينة التي تزداد قيمتها في ظل التحول نحو الطاقة النظيفة. فسواحلها الممتدة لأكثر من 700 ميل تطل مباشرة على كل من السعودية واليمن، مما يمنحها موقعاً فريداً للإشراف على حركة الملاحة في أحد أكثر الممرات ازدحاماً في العالم. والأكثر من ذلك، فإن جيبوتي المجاورة تحتضن أكبر تجمع للقواعد العسكرية الأجنبية في العالم، بما في ذلك قواعد للولايات المتحدة والصين وفرنسا واليابان وإيطاليا. وهذا الكثافة العسكرية تعكس الأهمية الاستراتيجية الفائقة للبحر الأحمر بالنسبة لكل القوى الدولية الكبرى.

فالقاعدة الأمريكية في جيبوتي (ليموينيه) هي أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في إفريقيا، وتستخدم كمركز لعمليات مكافحة الإرهاب والمراقبة الجوية والبحرية في المنطقة. والقاعدة الصينية المجاورة لها هي أول قاعدة عسكرية صينية في الخارج، مما يضع واشنطن وبكين في مواجهة مباشرة على نفس الشريط الساحلي الصغير. وفي هذا السياق، فإن إريتريا التي تقع شمال جيبوتي مباشرة، يمكن أن تشكل بديلاً استراتيجياً أو على الأقل نقطة توازن لتحقيق مكاسب إضافية.

لذلك فإن إدارة ترامب تنظر إلى إريتريا ليس فقط كحليف محتمل ضد إيران، ولكن أيضاً كورقة ضغط في المنافسة العالمية المتصاعدة مع الصين. فإذا نجحت واشنطن في إقامة علاقات وثيقة مع أسمرة، فقد تطلب منها تسهيلات عسكرية أو استخباراتية تعزز وجودها في المنطقة. وفي المقابل، فإن بقاء إريتريا خارج دائرة النفوذ الأميركي قد يدفعها نحو الصين أو روسيا، وهو سيناريو لا تريده واشنطن بالتأكيد.

 طريق بديل

وذكرت الصحيفة أن السفن الحربية الأمريكية، بما في ذلك المجموعات القتالية الضخمة لحاملات الطائرات، كانت تستخدم عادة البحر الأحمر كممر رئيسي للانتقال بين البحر المتوسط والمحيط الهندي. لكن هذه السفن تعرضت لهجمات متكررة في السنوات الأخيرة من قبل أنصار الله، مما جعل هذا الممر محفوفاً بالمخاطر حتى لأقوى الأساطيل في العالم. وكمثال حي على ذلك، ذكرت الصحيفة أن مجموعة حاملة طائرات أمريكية بقيادة حاملة الطائرات USS George H.W. Bush سلكت مؤخراً طريقاً أطول بكثير حول رأس الرجاء الصالح في الطرف الجنوبي لإفريقيا.

هذا التحول في المسار لم يكن مجرد خيار تكتيكي، بل هو اعتراف ضمني بأن البحر الأحمر لم يعد آمناً لعبور القطع البحرية الأمريكية الكبيرة. فالالتفاف حول إفريقيا بدلاً من المرور عبر قناة السويس والبحر الأحمر يضيف آلاف الأميال وأياماً إضافية من الإبحار، مما يزيد التكاليف ويقلل سرعة رد الفعل في حالات الطوارئ. وهذا الوضع غير المسبوق يضعف القدرة الأمريكية على إظهار القوة في الخليج والمحيط الهندي، وهو ما تستغله إيران وحلفاؤها لتعزيز مواقعهم.

ونقلت "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين أمريكيين قولهم، إن الوضع الراهن القائم على فرض العقوبات والتواصل المحدود مع إريتريا لم يعد فعَّالاً، بل إنه يضر بالمصالح الأمريكية. وطرح هؤلاء المسؤولون فكرة أن رفع العقوبات لبدء حوار جاد قد يحقق للولايات المتحدة مكاسب أمنية واقتصادية طويلة الأمد في منطقة البحر الأحمر. فبدلاً من الاستمرار في سياسة العزلة التي أثبتت فشلها، قد يكون الوقت قد حان لتجربة نهج جديد قائم على الإغراء والشراكة، حتى مع نظام لا تتفق واشنطن معه في قضايا كثيرة.

مخاوف محللين

أوضحت الصحيفة أن الأهمية الاستراتيجية البالغة لمنطقة البحر الأحمر تفرض على واشنطن محاولة إعادة فتح قنوات التواصل مع إريتريا، فهذا التوجه يعكس نوعاً من الواقعية السياسية التي تضع المصالح الأمنية فوق الاعتبارات الأخلاقية، على الأقل على المدى القصير. فإريتريا توصف بأنها واحدة من أكثر الدول قمعاً في العالم، مع تجنيد إجباري غير محدود، وغياب شبه كامل للحريات العامة، وتقارير دولية عن انتهاكات جسيمة بحق المعارضين والصحافيين.

وفي المقابل، شكك بعض المحللين والخبراء العسكريين في صحة هذا التوجه، معتبرين أن مكافأة نظام أسمرة برفع العقوبات دون مقابل واضح قد يكون خطأ استراتيجياً فادحاً. ونقلت الصحيفة عن كاميرون هدسون، وهو مسؤول سامي سابق في الاستخبارات ووزارة الخارجية الأمريكية، قوله بتشكك واضح: "عادةً، عندما نرفع العقوبات، يكون ذلك لأن الدولة المعنية قامت بخطوة تستحق ذلك". وأضاف هدسون قائلاً: "إريتريا لا تزال الدولة العسكرية الاستبدادية نفسها منذ عام 1993، وإذا كنا سنكافئها برفع العقوبات، فما الذي سنحصل عليه في المقابل؟".

ويطرح هذا السؤال المحوري إشكالية أساسية في السياسة الخارجية الأمريكية: هل التحالفات الاستراتيجية مع الأنظمة القمعية تخدم المصالح الأمريكية على المدى البعيد، أم أنها تخلق مشكلات أكبر لاحقاً؟ فهناك تجارب سابقة، مثل دعم واشنطن لبعض الأنظمة في المنطقة العربية والإفريقية، انتهت بانقلاب هذه الأنظمة على حلفائها أو بانهيارها تحت وطأة احتجاجات شعبية. ومع ذلك، يبدو أن إدارة ترامب مستعدة للمخاطرة، في ظل إلحاح التهديد الإيراني وتصاعد المنافسة مع الصين في القارة الإفريقية.

تحذيرات 

وختمت الصحيفة تقريرها بنقطة في غاية الخطورة، تتعلق بتداعيات إعادة ضبط العلاقات الأمريكية مع إريتريا على الصراعات والتنافسات في القرن الإفريقي. فهذه المنطقة مزقتها حروب أهلية وصراعات حدودية لعقود، وأي تغيير في موازين القوى قد يكون له تأثيرات متسلسلة لا يمكن السيطرة عليها. وأعرب مسؤولون أميركيون في أحاديث خاصة عن مخاوف جدية من أن إثيوبيا، الدولة الحبيسة الأكثر سكاناً في المنطقة، تستعد لخوض حرب جديدة مع أسمرة. فالحكومة الإثيوبية تؤكد باستمرار أن لديها حقوقاً تاريخية في السواحل الإريترية، وهو مطلب قديم يعود إلى ما قبل استقلال إريتريا عن إثيوبيا في عام 1993.

فإذا اندلعت حرب بين إثيوبيا وإريتريا، فإن الولايات المتحدة ستجد نفسها في موقف صعب للغاية. فمن جهة، هي تسعى لتقوية علاقاتها مع أسمرة للحصول على موطئ قدم على البحر الأحمر، ومن جهة أخرى، إثيوبيا حليف تقليدي لواشنطن في الحرب على الإرهاب وفي استقرار منطقة القرن الإفريقي. وأي انحياز أمريكي لإريتريا قد يدفع إثيوبيا نحو أحضان الصين أو روسيا، وهو سيناريو كارثي للمصالح الأمريكية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

لذلك فإن إدارة ترامب تمشي على حبل رفيع جداً في ملف إريتريا، إذ تحاول تحقيق مكاسب على البحر الأحمر دون خلق أعداء جدد أو فتح جبهات صراع لا يمكن السيطرة عليها. ورغم أن فكرة رفع العقوبات قد تبدو بسيطة من الناحية الإجرائية، فإن تداعياتها الجيوسياسية معقدة وشاسعة. وسيبقى السؤال الأهم معلقاً دون إجابة واضحة حتى الآن: هل ستنجح السياسة الأمريكية الجديدة في كسب إريتريا، أم أنها ستُشعل منطقة القرن الإفريقي برمتها؟

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال