أكد الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر، في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، أن الاقتصاد في قطاع غزة يمر بمرحلة حرجة وخطيرة تمثلت في التحول القسري من اقتصاد إنتاجي فاعل إلى اقتصاد يعتمد بشكل كلي على المساعدات الإغاثية.
وأوضح أبو قمر أن هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة نهج إسرائيلي ممنهج كرس التبعية منذ اليوم الأول للحرب، حيث عمدت قوات الاحتلال إلى استهداف كافة القطاعات الإنتاجية بشكل مباشر، بدءاً من القطاع الزراعي عبر تجريف الأراضي، وصولاً إلى القطاعات الصناعية والتجارية والخدماتية التي تم تدمير بنيتها التحتية بالكامل، هذا الواقع الجديد دفع المواطنين قسراً نحو عداد وطرق مختلفة للعيش، مما جعل الاعتماد على المساعدات أمراً محتماً للبقاء على قيد الحياة، وتشير الإحصائيات الصادمة حالياً إلى أن نحو 95% من الأسر داخل القطاع باتت تعتمد بشكل مطلق على المعونات الخارجية التي تصل بوتيرة متقطعة وغير كافية.
تشريح الانهيار: عوامل تدمير القطاعات الإنتاجية وسلاسل الإمداد
يرى الباحث أحمد أبو قمر أن العوامل التي ساهمت في انهيار القطاعات الإنتاجية تتمثل في استراتيجية خنق المعابر ومنع ادخال المواد الخام اللازمة للصناعة، وهي جزئية جوهرية أدت إلى قطع سلاسل الإمداد تماماً، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شملت حرب الإبادة تدميراً فيزيائياً للمصانع والورش، وتجريفاً واسعاً للأراضي الزراعية التي كانت تمثل "السلة الغذائية" لقطاع غزة ومصدراً مهماً للتصدير، كما تعمد الاحتلال القضاء على سلاسل الإمداد الداخلية عبر منع دخول المستلزمات الأساسية مثل زيوت السيارات، وإطارات الكاوتشوك، وقطع الغيار، مما أدى إلى شلل كامل في قطاع النقل والخدمات، هذا الوضع المأساوي جاء ضمن خطة ممنهجة طالت حتى القطاع المصرفي، حيث دفع الاحتلال بالنشاط المالي نحو السوق السوداء، وعزز من سيطرتها في جميع القطاعات الاقتصادية، مما ضاعف من حدة المعاناة المعيشية وزاد من كلفة البقاء.
الجمود الاقتصادي: بروتوكولات المساعدات الوهمية وهندسة التجويع
في حديثه عن حالة الجمود الاقتصادي، أشار أبو قمر إلى أن انعدام دورة الإنتاج أدى إلى نشوء ما يمكن تسميته بـ "اقتصاد البقاء"، حيث ينتظر المواطنون مساعدات لا تصل في كثير من الأحيان، وأوضح أن حاجة القطاع الفعلية تقدر بنحو ألف شاحنة يومياً (ما بين تجارية وإغاثية)، بينما ينص البروتوكول الإغاثي الدولي على ضرورة دخول 600 شاحنة يومياً، لكن الواقع الميداني يكشف أن إسرائيل لا تسمح إلا بدخول أقل من 200 شاحنة فقط، وما يزيد الأمر تعقيداً هو أن 70% من هذه الشاحنات القليلة تكون تجارية، بينما لا تتجاوز نسبة المساعدات الإغاثية 30% فقط، وهي تأتي ضمن نوعيات محددة جداً تقتصر على الطحين وبعض المعلبات، مما يؤكد أن "هندسة التجويع" هي نهج إسرائيلي مدروس لزيادة حالة الجمود وحرمان السكان من أي تنوع غذائي أو نشاط تجاري حقيقي.
انعدام فرص العمل: واقع الشباب بين البطالة المستشرية والفقر المدقع
تطرق الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر إلى التأثيرات الكارثية لهذا الواقع على فرص العمل والظروف المعيشية، خاصة في صفوف الشباب الذين يمثلون الشريحة الأكبر من المجتمع، وبينما كانت نسبة البطالة قبل الحرب مرتفعة وتصل إلى 45%، فإنها اليوم تفوق الـ 80% في ظل انعدام تام لفرص العمل في القطاع الخاص أو الحكومي، كما ارتفعت معدلات الفقر لتتجاوز حاجز الـ 90% في الوقت الحالي، مما أدى إلى انخفاض حاد في الدخل وشبه انعدام للقدرة الشرائية لدى المواطنين، هذا الواقع ألقى بظلاله السوداء على المستوى المعيشي، حيث بات الشاب الغزي يفتقد لأي أفق اقتصادي أو مهني، ويجد نفسه محاصراً في دائرة الفقر والانتظار، مما يهدد بتدمير جيل كامل فقد أدواته الإنتاجية وتحول إلى متلقٍ للمساعدات الشحيحة في أحسن الأحوال.
وفي ختام تصريحاته لـ "180 تحقيقات"، حدد أبو قمر مجموعة من البدائل والسياسات الضرورية لإعادة بناء اقتصاد غزة على أسس إنتاجية، مشدداً على أن النقطة الأساسية تبدأ من فتح كافة المعابر وإدخال الشاحنات والمواد الخام دون قيود، وتتمثل النقطة الثانية في ضرورة توفير التمويل اللازم لإعادة الإعمار وإيجاد آليات حقيقية لتطبيقه على أرض الواقع، بعيداً عن كونه مجرد "حبر على ورق"، كما دعا إلى البدء الفوري في عملية إزالة الركام كخطوة أولى تمهد لعملية إعادة الإعمار الشاملة، مؤكداً أن البدء الفعلي في هذه العملية هو الطريق الوحيد والأسهل للتخلص من حالة الجمود الاقتصادي الحالي، وبناء اقتصاد وطني قوي يعتمد على الإنتاج المحلي ويقلل من التبعية الإغاثية، بما يضمن استعادة كرامة المواطن وقدرته على العمل والإنتاج في وطنه.










