حذّر المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع (UNOPS)، خورخي موريرا دا سيلفا، الخميس الماضي، من إمكانية حدوث "أزمة غذاء عالمية" حادة وشيكة نتيجة إغلاق مضيق هرمز المستمر. وأوضح دا سيلفا أن ثلث أسمدة العالم بات عالقاً حالياً بسبب هذا الإغلاق، مما يهدد الموسم الزراعي بأكمله في العديد من الدول التي تعتمد على هذه الواردات. وفي الوقت نفسه، أشار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الحرب المستمرة على إيران تدفع بأكثر من 30 مليون شخص إضافي إلى دائرة الفقر المدقع، مما يضاعف الأعباء الإنسانية على المنظمات الدولية.
ودعا المسؤول الأممي إلى ضرورة التحرك الفوري والعاجل للسماح بدخول هذه الأسمدة العالقة إلى الأسواق العالمية، خاصة مع بدء مواسم الزراعة في نصف الكرة الأرضية. وقال دا سيلفا محذراً: "لم يعد لدينا وقت لنضيعه، لقد بدأ موسم الزراعة بالفعل، وإذا لم نجد حلاً فورياً، فستكون الأزمة كبيرة وشديدة، خاصة بالنسبة للدول والشعوب الفقيرة". وهذه العبارات القوية تعكس مدى القلق داخل أروقة الأمم المتحدة من تداعيات إغلاق المضيق التي قد تستمر لشهور أو حتى سنوات.
وأضاف موريرا دا سيلفا، في مقابلة مطولة مع موقع الأمم المتحدة الرسمي، أن ما يحدث ليس مجرد مسألة لوجستية أو اقتصادية بحتة، بل هو قضية تتعلق بإنقاذ أرواح ملايين البشر حول العالم. وشدد على أن "هذه ليست مسألة لوجستية أو اقتصادية فحسب، بل تتعلق بإنقاذ الأرواح، وإذا لم نتحرك، فستضرب أزمة غذاء هائلة وقوية الفئات الأكثر ضعفاً أولاً وأشدهم احتياجاً للمساعدة". وهذا التحذير يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليته الأخلاقية والإنسانية، بعيداً عن الحسابات السياسية والعسكرية الضيقة.
منصة موحدة لمرور الأسمدة
أوضح المدير التنفيذي لمكتب UNOPS أن فريق العمل الذي يقوده جاهز من الناحية الفنية واللوجستية لتشغيل "منصة موحدة" خلال سبعة أيام فقط من لحظة الموافقة السياسية. وهذه المنصة ستبدأ عملها بمجرد أن تسمح الأطراف المتحاربة التي تسيطر على مضيق هرمز حالياً بمرور الأسمدة والمواد الخام العالقة. والهدف الرئيسي لهذه الآلية هو دعم الفئات الأكثر ضعفاً في العالم، التي تعتمد بشكل حاسم على استمرارية تدفق هذه المواد لزراعة غذائها. وشدد دا سيلفا على أن "الحل موجود، وكل ما نحتاجه هو الإرادة الجماعية للتنفيذ"، في إشارة إلى أن العقبة ليست تقنية بل سياسية بالكامل.
وشرح المسؤول الأممي أن فكرة فريق العمل تقوم على تطوير آلية مرنة وسريعة تركز تحديداً على الأسمدة والمواد الخام المرتبطة بها بشكل مباشر. وهذه المواد تشمل اليوريا، والكبريت، والأمونيا، وهي جميعها عناصر أساسية لا غنى عنها في إنتاج الأسمدة الحديثة. والهدف من هذه الآلية هو منع حدوث أزمة إنسانية واسعة النطاق قد تطال مئات الملايين حول العالم، خاصة في أفريقيا وآسيا حيث يعتمد المزارعون بشكل كبير على هذه المدخلات الزراعية.
وأشار دا سيلفا إلى أن "نحو ثلث الأسمدة في العالم يمر عبر مضيق هرمز، وهذا الرقم وحده يوضح مدى أهمية الخليج العربي لإنتاج الأسمدة العالمية، ومدى تأثر سلسلة الإمداد العالمية بأكملها بتعطل هذا الممر الحيوي". فمعاناة المزارع في كينيا أو سريلانكا مرتبطة اليوم بشكل مباشر بما يحدث في مياه الخليج، وهذا الترابط هو ما يجعل الأزمة عالمية وليست إقليمية. ولفت إلى أن بعض الدول تعتمد بشكل كبير جداً على هذه الإمدادات، وأن العديد منها كان يعاني أصلاً من أوضاع هشة بسبب أزمات سابقة متراكمة.
دول هشة
عدد موريرا دا سيلفا أسماء دول بعينها تعتبر من الأكثر تضرراً من هذه الأزمة، ومن بينها السودان والصومال وموزمبيق وكينيا وسريلانكا. وهذه الدول الخمس تعاني أصلاً من أزمات إنسانية واقتصادية وسياسية معقدة، وقبل اندلاع الحرب كانت تعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الأسمدة من المنطقة. وأكد المسؤول الأممي أن هذه الدول تُعد من كبار مستوردي الأسمدة القادمة من الخليج، وأي انقطاع في الإمدادات سينعكس مباشرة على قدرتها على إنتاج الغذاء لملايين المواطنين. فالمواد الخام مثل اليوريا والكبريت لا تدخل فقط في صناعة الأسمدة، بل تستخدم أيضاً في العمليات الصناعية والتحلية وغيرها.
وتقع هذه الدول في مناطق مختلفة من العالم، من شرق أفريقيا إلى جنوب آسيا، مما يعني أن الأزمة لها أبعاد قارية وليست محصورة في منطقة الشرق الأوسط فقط. فالسودان، الذي مزقته الحرب الأهلية، كان يأمل في موسم زراعي جيد لإنقاذ سكانه من المجاعة، لكن الأسمدة العالقة في مضيق هرمز تحول دون ذلك. والصومال، الذي يعاني من موجات جفاف وفيضانات متتالية، لا يستطيع تحمل أي تراجع إضافي في إنتاجيته الزراعية الهشة أصلاً.
لذلك فإن تحذير الأمم المتحدة ليس مجرد تخوفات نظرية، بل يعكس واقعاً مريراً بدأت آثاره تظهر بالفعل على الأرض. فالمزارعون في هذه الدول يدفعون ثمناً باهظاً لحرب لا علاقة لهم بها، ويرون مواسمهم الزراعية تتبخر أمام أعينهم بسبب أسمدة لا تصل. وهذا هو بالضبط ما تعنيه"أزمة غذاء عالمية": جوع يضرب الأبرياء في قارات مختلفة، بينما تتصارع القوى الكبرى على النفوذ في ممر مائي لا يتجاوز عرضه بضعة كيلومترات.
فقر مدقع
من جانبه، حذر مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ألكسندر دي كرو، من أن أكثر من 30 مليون شخص إضافي سيعانون الفقر المدقع جراء التداعيات الاقتصادية والإنسانية للحرب على إيران. وهذه التداعيات تشمل انقطاع إمدادات الوقود اللازم للطهي والتدفئة وتشغيل المضخات الزراعية، بالإضافة إلى انقطاع الأسمدة الضرورية للإنتاج الزراعي في موسم الزراعة الحاسم. وأوضح دي كرو، في حديث مطول لوكالة "رويترز"، أن نقص الأسمدة الذي تفاقم بشكل كبير بسبب حظر مرور سفن الشحن عبر مضيق هرمز، أدى بالفعل إلى انخفاض ملموس في الإنتاجية الزراعية في العديد من البلدان المعنية.
وذكر رئيس الوزراء البلجيكي السابق، الذي يتولى الآن منصباً رفيعاً في الأمم المتحدة، أنه من المرجح جداً أن ينعكس هذا التراجع في الإنتاجية على المحاصيل في وقت لاحق من العام الجاري. فالأسمدة لا تؤثر على كمية المحصول فقط، بل على جودته وعلى قدرته على مقاومة الآفات والأمراض وتغير المناخ. وقال دي كرو محذراً: "سيصل انعدام الأمن الغذائي إلى ذروته في غضون بضعة أشهر فقط، ولا توجد حلول كثيرة لذلك في الأفق"، وعدد آثاراً أخرى مدمرة للأزمة، منها نقص الطاقة وتراجع التحويلات المالية من المغتربين الذين فقدوا وظائفهم بسبب الركود الاقتصادي العالمي المصاحب للحرب.
وتابع المسؤول الأممي تحليله القاتم قائلاً: "حتى لو توقفت الحرب غداً، فجأة وبشكل كامل، فإن تلك الآثار المدمرة موجودة بالفعل ولن تختفي بين عشية وضحاها". فالأضرار الاقتصادية والزراعية التي تسببت بها الحرب عميقة وبعيدة المدى، وقد تستغرق سنوات للتعافي منها. وأضاف أن "هذه الآثار وحدها، حتى بدون استمرار القتال، ستدفع بأكثر من 30 مليون شخص إضافي إلى دائرة الفقر، فوق الملايين الذين كانوا يعانون أصلاً قبل الحرب". وهذا الرقم المخيف (30 مليوناً) يعادل تقريباً سكان بلد بحجم ماليزيا أو فنزويلا.
خسائر عالمية
وفي وقت سابق من الشهر الجاري، حذرت ثلاثة من كبرى المؤسسات المالية والإنسانية في العالم، وهي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، من أن الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي حتماً إلى ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية عالمياً. وهذه الزيادة في الأسعار ستزيد من الأعباء المالية على الشعوب الأكثر فقراً في العالم، الذين ينفقون أصلاً نسبة أكبر من دخلهم على الغذاء مقارنة بالأغنياء. فالمواد الغذائية الأساسية مثل الحبوب والخضروات والزيوت، كلها تعتمد في إنتاجها على الأسمدة التي أصبحت نادرة وباهظة الثمن.
وقال دي كرو، في إفادته لوكالة رويترز، إن الآثار الاقتصادية المترتبة على حرب إيران قضت بالفعل على ما يقدر بنحو 0.5% إلى 0.8% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو رقم خرافي إذا ما ترجم إلى دولارات. فهذا الانكماش يعادل خسارة اقتصادات بأكملها، مثل اقتصاد البرتغال أو اليونان، في غضون أسابيع قليلة فقط. وأضاف دي كرو بعبارة قاسية ومؤثرة: "الأمور التي تستغرق عقوداً طويلة لبنائها وتطويرها وتجميعها، لا تتطلب سوى ثمانية أسابيع من الحرب لتدميرها بالكامل".
وتزيد هذه الأزمة المركبة من الضغوط الهائلة على الجهود الإنسانية الدولية، التي كانت تعاني أصلاً من تقلص التمويل وازدياد الاحتياجات حول العالم. فوكالات الإغاثة تجد نفسها مضطرة للاختيار بين أزمة وأخرى، وبين دولة وأخرى، وبين طفل جائع وآخر يموت جوعاً. وفي الأماكن التي تواجه بالفعل حالات طوارئ خطيرة، مثل السودان وقطاع غزة وأوكرانيا، فإن الأزمة الجديدة قد تكون القشة التي قصمت ظهر البعير.
اختيارات صعبة
في ختام تحذيره الموجع، قال مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ألكسندر دي كرو، إن المنظمات الإنسانية ستواجه قريباً اختيارات مستحيلة بشأن من تساعد ومن تترك. وأضاف بعبارات صارمة وشفافة: "سيتعين علينا أن نقول لبعض الناس، بكل أسف وحزن، نعتذر بشدة، لكننا لا نستطيع مساعدتكم، ليس لأننا لا نريد، بل لأن الموارد لم تعد تكفي". وهذه ليست مبالغة أو تهديداً، بل وصف واقعي لما يحدث بالفعل على الأرض في مخيمات اللاجئين ومناطق الجوع المزمن.
وتابع دي كرو: "من كانوا سيعيشون بفضل المساعدة الدولية التي اعتادوا تلقيها لسنوات، لن يحصلوا عليها هذا العام، وسيصبحون في وضع أكثر ضعفاً مما كانوا عليه من قبل". فالأزمة الحالية لم تخلق جياعاً جدداً فحسب، بل إنها ستقتل أيضاً بعضاً ممن كانوا يعيشون على حافة الهاوية. وهذا السيناريو المأساوي ليس حتمياً إذا تحرك المجتمع الدولي بسرعة، لكن الوقت ينفد بسرعة، وكل يوم يمر دون حل يعني المزيد من الأرواح التي يمكن إنقاذها تذهب هباءً.
لذلك فإن ما يحدث في مضيق هرمز ليس مجرد صراع بعيد على النفوذ في الشرق الأوسط، بل هو قنبلة موقوتة تحت النظام الغذائي العالمي بأكمله. فالأسمدة التي تنتجها مصانع الخليج وتشحن عبر مياهه ليست سلعة كمالية، بل هي أساس الزراعة الحديثة التي تطعم أكثر من 8 مليارات إنسان. وإذا استمر إغلاق المضيق، فإن المجاعة لن تضرب فقط أفريقيا وآسيا، بل ستمتد تدريجياً إلى أوروبا والأميركتين، ولن يكون هناك مفر من كارثة إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.







