20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

هل ينقلب البنتاجون على حلفائه؟.. مذكرة سرية تدرس معاقبة دول الناتو بسبب إيران

كشف مسؤول أمريكي رفيع المستوى لوكالة "رويترز"، عن رسالة بريد إلكتروني داخلية حساسة ومتداولة في وزارة الحرب الأمريكية (البنتاجون)، قال إنها تبحث خيارات متنوعة لمعاقبة أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو)

بقلم: أخبار ومتابعات
٢٤ أبريل ٢٠٢٦
9 دقائق قراءة
9 مشاهدة
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال قمة الناتو في بروكسل. 12 يوليو 2018 - Getty Images

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال قمة الناتو في بروكسل. 12 يوليو 2018 - Getty Images

كشف مسؤول أمريكي رفيع المستوى لوكالة "رويترز"، عن رسالة بريد إلكتروني داخلية حساسة ومتداولة في وزارة الحرب الأمريكية (البنتاجون)، قال إنها تبحث خيارات متنوعة لمعاقبة أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو). وهذه العقوبات موجهة ضد الدول التي ترى واشنطن أنها لم تدعم بشكل كافٍ عملياتها العسكرية في الحرب المشتعلة ضد إيران. وتأتي هذه التطورات في وقت تشتد فيه الخلافات داخل الحلف حول طبيعة الالتزامات المطلوبة من كل عضو في حال نشوب صراعات كبرى خارج حدود أوروبا التقليدية.

وأضاف المسؤول الأمريكي، الذي فضل عدم الكشف عن هويته نظراً لحساسية الوثيقة المسربة، أن من بين الخيارات القاسية التي تضمها هذه المذكرة الداخلية، تعليق عضوية إسبانيا في الحلف بشكل مؤقت أو دائم. كما تتضمن المذكرة مقترحاً خطيراً آخر، وهو إعادة النظر بشكل جذري في الموقف الأمريكي الداعم تاريخياً لمطالب بريطانيا بجزر فوكلاند المتنازع عليها مع الأرجنتين. وهذه الخطوة، إذا تم تنفيذها، من شأنها أن تقلب الموازين الدبلوماسية في المحيط الأطلسي الجنوبي، وتضع بريطانيا في موقف حرج للغاية بين حلفائها التقليديين.

وأوضح المسؤول نفسه أن من بين المقترحات المطروحة أيضاً، منع بعض الدول التي وصفها بـ"صعبة المراس" من شغل أي مناصب مهمة أو مرموقة داخل هيكل الحلف القيادي. فهناك مناصب حساسة مثل الأمين العام المساعد، وقادة اللجان العسكرية، ورؤساء الأقسام المختلفة، كلها قد تصبح محظورة على الدول التي لم تلتزم بما تعتبره واشنطن "الحد الأدنى من الواجبات". وهذا النوع من العقوبات الإدارية والسياسية قد يكون أكثر إيلاماً من العقوبات العلنية، لأنه يحدث خلف الكواليس لكن آثاره تمتد لسنوات.

 إحباط أمريكي

أوضح المسؤول الذي تحدث إلى رويترز، أن هذه الخيارات العقابية وردت في مذكرة داخلية تعكس حالة عميقة من الإحباط تسود أروقة البنتاجون تجاه موقف بعض الحلفاء. فهذا الإحباط نابع مما تراه واشنطن "تردداً أو رفضاً" واضحين من جانب بعض الدول الأعضاء في الناتو لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز والتحليق (ABO) خلال الحرب على إيران. وهذه الحقوق تعتبر أساسية لأي عملية عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، لأنها تسمح للقوات الأمريكية باستخدام القواعد الجوية والبحرية والمطارات في أوروبا كنقاط انطلاق وإعادة تموين.

وبحسب نص الرسالة الداخلية المسربة، فإن توفير هذه التسهيلات اللوجستية والعسكرية لا يعتبر مجرد عمل إضافي أو حسن نية، بل يعد "الحد الأدنى المطلق داخل الناتو" الذي يفترض أن تلتزم به كل دولة عضو. فالاتفاقية التأسيسية لحلف الناتو تنص على مبادئ الدفاع الجماعي والتعاون الكامل، لكن التفسير الأمريكي لهذه المبادئ يبدو أوسع وأشمل من التفسير الأوروبي. وهذه الفجوة في التفسير هي ما أدت إلى حالة الاحتقان الحالية، حيث تشعر واشنطن أن بعض الحلفاء يتنصلون من مسؤولياتهم الأساسية في وقت تشتد فيه الحاجة إليهم.

وأشار المسؤول إلى أن هذه الخيارات العقابية ليست مجرد نقاشات نظرية، بل يتم تداولها بجدية على مستويات رفيعة جداً داخل البنتاجون، وصولاً إلى مكتب وزير الحرب نفسه. وهذا يعني أن هناك إرادة سياسية حقيقية لتحويل هذه الأفكار إلى سياسات فعلية، إذا استمر الحلفاء في ما تعتبره واشنطن "تمرداً" على القيادة الأميركية. والرسالة الضمنية التي تحاول الإدارة إيصالها واضحة: إما أن تكونوا شركاء كاملين في الحرب، أو ستواجهون عواقب غير مسبوقة لم تشهدوها منذ تأسيس الحلف قبل أكثر من سبعة عقود.

لا إغلاق للقواعد

وقال المسؤول الأمريكي، في محاولة لتهدئة المخاوف الأوروبية، إن رسالة البريد الإلكتروني المسربة لا تشير بأي شكل من الأشكال إلى أن الولايات المتحدة ستفعل بالفعل هذه الخيارات العقابية. إنها مجرد وثيقة تداولية وليست قراراً نهائياً، وتعكس حالة من التفكير الاستراتيجي وطرح البدائل وليس بالضرورة نية فورية للتنفيذ. كما أكد المسؤول أن المذكرة لا تحتوي على أي اقتراح لإغلاق القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في أوروبا، وهي قواعد تشكل العمود الفقري للوجود العسكري الأمريكي في القارة العجوز.

ولكن المسؤول رفض الإفصاح بشكل قاطع عما إذا كانت الخيارات المطروحة تتضمن سحب الولايات المتحدة لبعض قواتها النظامية من أوروبا، وهو السيناريو الذي يتوقعه الكثير من المحللين والخبراء العسكريين. فسحب القوات الأمريكية من أوروبا كان حلماً روسياً لعقود، وأي خطوة في هذا الاتجاه ستغير ميزان القوى في القارة بشكل جذري وكامل. والغموض الذي يكتنف هذا الملف بالذات يشير إلى أنه ربما يكون بالفعل على الطاولة، لكن الإدارة الأمريكية ليست مستعدة بعد للاعتراف بذلك علناً.

ورداً على طلب رسمي للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني المسربة، قالت المتحدثة باسم البنتاجون كينجسلي ويلسون، في بيان حذر: "مثلما قال الرئيس ترامب بوضوح، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي (الناتو)، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا في وقت الشدة". وأضافت ويلسون أن وزارة الحرب ستعمل على ضمان أن يكون لدى الرئيس ترامب خيارات موثوقة وجاهزة لضمان ألا يبقى حلفاؤنا مجرد نمر من ورق، أي قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي على الأرض. واختتمت المتحدثة تصريحاتها بالقول: "ليس لدينا أي تعليق إضافي أو تفصيلي على أي مداولات داخلية بهذا الشأن الحساس".

انتقادات ترامب لحلفاء الناتو

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد وجه في الأيام الماضية سلسلة من الانتقادات الحادة واللاذعة لحلفاء الناتو، وذلك لعدم إرسالهم قواتهم وأصولهم البحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز. فهذا المضيق الاستراتيجي ظل مغلقاً أمام حركة الشحن العالمية لأكثر من سبعة أسابيع متواصلة، منذ أن بدأت الحرب في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، مما تسبب في خسائر اقتصادية فادحة حول العالم. الرئيس الأمريكي يعتبر أن حلفاءه الأوروبيين عليهم واجب أخلاقي وعسكري للمشاركة في هذه المعركة التي تهدد الاقتصاد العالمي بأكمله، وليس فقط المصالح الأمريكية المباشرة.

وفي تصعيد لافت ومفاجئ، صرّح ترامب بأنه يدرس جدياً احتمال انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو ما كان يعتبر خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه في السياسة الأمريكية لعقود طويلة. وجاء هذا التصريح في مقابلة حصرية أجرتها معه وكالة "رويترز" في الأول من أبريل الماضي، حيث قال الرئيس الأمريكي بصراحة: "ألن تفعل ذلك لو كنت مكاني؟"، رداً على سؤال مباشر بشأن إمكانية انسحاب واشنطن من الناتو. هذه العبارات القصيرة أثارت حالة من الذهول في عواصم أوروبا، وأجبرت القادة الأوروبيين على إعادة تقييم علاقتهم مع الحليف الأمريكي الذي بات يبدو أقل اعتماداً عليهم مما كانوا يعتقدون.

ويعتبر الانسحاب الأمريكي من الناتو بمثابة زلزال جيوسياسي سيعيد تشكيل النظام الأمني العالمي بالكامل، وسيترك أوروبا في مواجهة روسيا دون الغطاء النووي الأمريكي الذي كان يشكل رادعاً رئيسياً لأي عدوان. وبالتالي فإن مجرد طرح هذا الاحتمال من قبل الرئيس الأمريكي يعتبر بمثابة ورقة ضغط هائلة على الحلفاء، لدفعهم إلى تلبية المطالب الأمريكية دون تأخير أو تردد. وهذه الاستراتيجية تذكرنا بسياسة "العصا والجزرة" التي اتبعتها إدارات أمريكية سابقة، لكن هذه المرة العصا أكبر بكثير والجزرة أصغر مما كانت عليه في الماضي.

تعليق العضوية

وقال المسؤول الأمريكي لوكالة "رويترز"، إن إدارة ترامب تعتقد جازمة بأن لدى الأوروبيين "إحساساً مبالغاً فيه بالاستحقاق"، حيث يتوقعون الحماية الأمريكية دون تقديم التضحيات المطلوبة. ولهذا السبب، فإن الخيارات السياسية الواردة في المذكرة الداخلية تهدف بشكل أساسي إلى توجيه إشارة قوية وصارمة لحلفاء الناتو، بهدف "تقليص شعور الاستحقاق" هذا الذي وصفته الإدارة بأنه غير مبرر وغير مقبول. فالعصر الذي كانت فيه أمريكا تتحمل الأعباء الأمنية الأوروبية دون مقابل قد انتهى، وفقاً لرؤية ترامب وفريقه.

وتشير المذكرة المسربة بشكل خاص إلى أن خيار تعليق عضوية إسبانيا في الحلف قد يكون تأثيره العسكري الفوري محدوداً على العمليات الأمريكية، لكنه مع ذلك "يحمل دلالة رمزية كبيرة جداً". فهذه هي المرة الأولى منذ تأسيس الناتو عام 1949 التي يتم فيها طرح فكرة تعليق عضوية دولة عضو بشكل جدي، مما يعني أن لا دولة، مهما كانت كبيرة أو صغيرة، في مأمن من العقاب. ولم يكشف المسؤول عن الآلية القانونية أو الإجرائية التي قد تعتمدها الولايات المتحدة لتعليق عضوية إسبانيا، كما لم تتمكن رويترز من تحديد ما إذا كان لدى الناتو أصلاً آلية قائمة ومتفق عليها لمثل هذا السيناريو غير المسبوق.

كما تتضمن المذكرة خياراً دبلوماسياً حساساً وخطيراً، يتمثل في إعادة تقييم الدعم الدبلوماسي الأمريكي المتواصل لما وصفته بـ"الممتلكات الأوروبية الإمبراطورية القائمة منذ زمن طويل". ومن الأمثلة التي وردت في المذكرة بوضوح، جزر فوكلاند القريبة من الأرجنتين، حيث تدير بريطانيا هذه الجزر منذ عام 1833، ولا تزال الأرجنتين تطالب بها رسمياً حتى اليوم. وبعد حرب قصيرة خاضها البلدان عام 1982، عقب محاولة فاشلة من بوينس آيرس للسيطرة على الجزر، والتي أسفرت عن سقوط نحو 650 جندياً أرجنتينياً و255 جندياً بريطانياً، ظل الموقف الأميركي داعماً لبريطانيا. لكن تغيير هذا الموقف الآن سيكون بمثابة ضربة قاسية للغاية للحليف البريطاني، وربما تكون الأكثر إيلاماً منذ الحرب العالمية الثانية.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

هل ينقلب البنتاجون على حلفائه؟.. مذكرة سرية تدرس معاقبة دول الناتو بسبب إيران - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°