20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

475 طفلاً يصابون شهرياً بإعاقات دائمة.. كم ستأكل الذخائر  غير المنفجرة في غزة قبل أن يتحرك العالم؟

حذّرت الأمم المتحدة، في تقرير جديد وصفت فيه الوضع بالخطير والمتفاقم، من المخاطر المتزايدة التي تشكلها الذخائر غير المنفجرة المنتشرة في كل مكان من قطاع غزة على حياة المدنيين العزل، وبخاصة الأطفال الأكثر هشاشة وتأثراً

بقلم: أخبار ومتابعات
٢٥ أبريل ٢٠٢٦
9 دقائق قراءة
17 مشاهدة
475 طفلاً يصابون شهرياً بإعاقات دائمة.. كم ستأكل الذخائر  غير المنفجرة في غزة قبل أن يتحرك العالم؟

475 طفلاً يصابون شهرياً بإعاقات دائمة.. كم ستأكل الذخائر  غير المنفجرة في غزة قبل أن يتحرك العالم؟

حذّرت الأمم المتحدة، في تقرير جديد وصفت فيه الوضع بالخطير والمتفاقم، من المخاطر المتزايدة التي تشكلها الذخائر غير المنفجرة المنتشرة في كل مكان من قطاع غزة على حياة المدنيين العزل، وبخاصة الأطفال الأكثر هشاشة وتأثراً. وأكدت المنظمة الدولية أن هذه المخلفات المتفجرة لا تهدد الأرواح فقط، بل إنها تعرقل أيضاً وبشكل كبير جهود إعادة الإعمار التي هي بأمس الحاجة إليها على المدى الطويل، مما يطيل أمد معاناة السكان. فكل قنبلة لم تنفجر اليوم هي بمثابة قنبلة موقوتة قد تنفجر غداً تحت أقدام طفل أو عامل إغاثة أو مهندس يساعد في إعادة بناء ما دمرته الحرب.

وأوضح تقرير صادر عن دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS) أن قطاع غزة، الذي تعرض لدمار واسع وغير مسبوق جراء الحرب الإسرائيلية، بات ملوثاً بشكل كبير وخطير بمخلفات الذخائر غير المنفجرة من مختلف الأنواع والأحجام. وهذه المخلفات ليست مجرد قنابل وقذائف هاون، بل تشمل أيضاً ألغاماً أرضية وعبوات ناسفة ورصاصات متخلفة، كل منها يحمل قدراً من الموت بانتظار ضحيته التالية. وتتسبب هذه الذخائر في مقتل وإصابة المدنيين بشكل متكرر ويومي، حتى بعد توقف القصف والإعلان عن هدن ووقف إطلاق نار.

وبيّن التقرير الأممي أن القنابل والقذائف وحتى الرصاص غير المنفجر تنتشر بشكل عشوائي في مختلف أنحاء غزة، منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر عام 2023 والتي استمرت لأكثر من خمسة عشر شهراً متواصلاً من القصف العنيف. وهذا الانتشار الواسع يزيد بشكل كبير من خطورة الوضع الإنساني المتردي أصلاً، ويحول أي خطوة يخطوها النازحون العائدون إلى منازلهم المدمرة إلى مغامرة قد تكون الأخيرة في حياتهم. فالمدن والقرى والمخيمات تحولت إلى حقول ألغام مفتوحة، حيث لا أحد يعرف أين تختبئ الذخيرة القاتلة تحت الأنقاض أو بين الحطام أو حتى داخل المنازل التي تبدو آمنة ظاهرياً.

غزة وضحايا الأطفال

كشف مسح ميداني أجرته دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام، بالتعاون مع فرق محلية ودولية، أن أكثر من ألف شخص قد استشهدوا بالفعل نتيجة انفجار هذه الذخائر غير المنفجرة في غزة. لكن الخبراء الأمميين يرجحون بشدة أن العدد الحقيقي للضحايا أعلى بكثير من هذا الرقم، وذلك لصعوبة الوصول إلى العديد من المناطق الخطرة ولعدم الإبلاغ عن جميع الحوادث بسبب الظروف الأمنية والصعوبات اللوجستية. فكثير من الوفيات تحدث في مناطق معزولة أو تحت الأنقاض، ولا يتم تسجيلها رسمياً في السجلات الأممية أو المحلية لفترة طويلة.

وخلال مؤتمر صحافي عقد في جنيف، أفاد المسؤول الأممي يوليوس فان دير فالت، وهو خبير في نزع الألغام والمتفجرات، بأن نحو نصف الضحايا الذين تم توثيقهم هم من الأطفال دون سن الثامنة عشرة، وهذه نسبة مروعة تعكس حجم المأساة. وأشار فان دير فالت إلى أن البيانات الحالية، رغم عدم اكتمال التقييم الشامل لكل مناطق القطاع حتى الآن، تظهر بوضوح "كثافة مرتفعة" ومقلقة من التلوث بالذخائر غير المنفجرة، وهي كثافة قد تكون من الأعلى في العالم بالنسبة لمساحة بهذا الحجم. وأضاف أن فرق الأمم المتحدة الميدانية أحصت أكثر من ألف ذخيرة خطرة خلال عمليات مسح استمرت عامين ونصف العام، بمعدل ذخيرة واحدة تقريباً كل ستمائة متر مربع، علماً أن هذا الرقم يقتصر فقط على ما تم رصده ورصده فعلياً، وليس كل ما هو موجود على الأرض.

من جهتها، أعربت نارمينا ستريشينيتس، وهي مسؤولة رفيعة في منظمة "سايف ذا تشيلدرن" الدولية، عن قلقها العميق إزاء الثمن الباهظ الذي يدفعه الأطفال في غزة بشكل يومي جراء هذه المخلفات القاتلة. وأكدت ستريشينيتس، في كلمة ألقتها خلال المؤتمر نفسه، أن قطاع غزة يضم حالياً أكبر عدد من الأطفال مبتوري الأطراف في العالم كله، وهي حقيقة صادمة تعكس وحشية الحرب وتداعياتها طويلة الأمد على الأجيال القادمة. وأشار تقرير صادر عن المنظمة إلى أن استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة بالسكان يتسبب شهرياً، في المتوسط، بإصابة نحو 475 طفلاً بإعاقات دائمة ومستديمة، منها فقدان الأطراف، أو العمى، أو الصمم، أو إصابات الدماغ الخطيرة.

 كثافة سكانية

لفت التقرير الأممي الانتباه إلى عامل خطير آخر يزيد من حدة الأزمة، وهو الكثافة السكانية العالية جداً في قطاع غزة، والتي كانت تعتبر حتى قبل الحرب من بين الأعلى عالمياً. هذه الكثافة، التي تجمع مئات الآلاف من البشر في مساحات ضيقة جداً، ازدادت خطورتها بشكل كبير بعد أن تقلصت المساحة الآمنة المتاحة للسكان إلى النصف تقريباً، بسبب تدمير أحياء كاملة وتحويلها إلى مناطق عازلة أو غير صالحة للسكن. وهذه الحقيقة ضاعفت من مستويات الاكتظاظ في المناطق المتبقية، مما يعني أن أي انفجار لذخيرة غير منفجرة سيؤثر على عدد أكبر من الضحايا في لحظة واحدة.

وأكد المسؤول الأممي فان دير فالت أن استخدام الأسلحة المتفجرة من قبل الجيش الإسرائيلي طال حرفياً جميع مناطق قطاع غزة، وليس فقط المناطق الحدودية أو ما كان يسمى بالمناطق العسكرية. فالقصف طال المدن الرئيسية كغزة وخانيونس ورفح، كما طال مخيمات اللاجئين المكتظة بالسكان، مثل مخيم جباليا ومخيم الشاطئ ومخيم البريج. واستشهد فان دير فالت بحادثة حديثة ومروعة، حيث عُثر على بقايا ذخائر غير منفجرة داخل خيمة مأهولة بالنازحين، مما يعني أن هؤلاء الأشخاص كانوا ينامون ويأكلون ويعيشون فوق قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة دون سابق إنذار.

كما حذّر المسؤول الأممي من أن القوافل الإنسانية التابعة للأمم المتحدة ووكالات الإغاثة الأخرى قد تتعرض أيضاً لخطر الانفجار أثناء مرورها عبر الطرقات والممرات غير المأمونة، وذلك نتيجة انتشار هذه المخلفات في كل مكان. فسيارات الإسعاف والشاحنات المحملة بالمساعدات الغذائية والطبية والمياه، كلها معرضة لخطر الانفجار إذا ما صادفت إحدى هذه الذخائر الخاملة أثناء تحركها. وهذا الخطر يبطئ من وتيرة وصول المساعدات ويزيد من تكلفتها، بل وقد يردع بعض المنظمات عن العمل في بعض المناطق شديدة الخطورة، مما يترك المدنيين بدون دعم في أحلك الظروف.

عقود قادمة

قدّر الخبير الأممي يوليوس فان دير فالت، في ختام تقريره، أن عملية إزالة هذه الذخائر غير المنفجرة من كامل مساحة قطاع غزة تتطلب نحو 541 مليون دولار على الأقل، حتى في أفضل الظروف الممكنة، مثل توفر التصاريح اللازمة والمعدات المتخصصة والكوادر المدربة. وهذه الميزانية الضخمة، حتى لو تم توفيرها اليوم، فلن تكون كافية لضمان إزالة كاملة، لأن حجم التلوث قد يكون أكبر بكثير مما نراه على السطح. فمعظم الذخائر غير المنفجرة لا تزال مدفونة تحت الأنقاض الهائلة التي خلفتها الحرب، ولا يمكن الوصول إليها إلا بعد رفع هذه الأنقاض أولاً، وهي عملية ضخمة بحد ذاتها تحتاج إلى سنوات وإلى مليارات إضافية.

وحذّر فان دير فالت من أن حجم التلوث الهائل، خاصة في مناطق الأنقاض والمباني المنهارة والطرق المدمرة، يجعل من الصعب جداً، بل قد يكون من المستحيل، إجراء تقييم كامل وشامل لجميع المناطق الملوثة. فهناك أحياء بأكملها لا يزال الوصول إليها محظوراً لأسباب أمنية، وهناك مناطق أخرى دفنت تحت آلاف الأطنان من الأنقاض والركام، وهناك ترسانة كاملة من الذخائر غير المنفجرة قد تكون موجودة في أماكن غير متوقعة. وقد يبقي هذا الوضع الكارثي مشكلة الذخائر غير المنفجرة قائمة ومستمرة لعقود قادمة، كما حدث في بعض ساحات الحروب السابقة مثل فيتنام ولاوس وكمبوديا وأفغانستان، حيث لا يزال الناس يموتون من مخلفات حروب انتهت قبل خمسين عاماً أو أكثر.

واختتم المسؤول الأممي تحذيره بالقول إن السنوات القادمة ستكون عصيبة على أهالي غزة، الذين سيعيشون في خوف دائم من أن تطأ أقدام أطفالهم أرضاً تخفي تحتها قنبلة لم تنفجر بعد. فالأطفال هم الأكثر فضولاً والأقل وعياً بالمخاطر، وهم الأكثر عرضة لالتقاط أشياء لامعة أو غريبة تجذب انتباههم، ثم يفاجؤون بانفجار ينهي حياتهم أو يغيرها إلى الأبد. وإلى أن يتم تطهير القطاع بالكامل، وهو أمر قد يستغرق سنوات طويلة وتكاليف باهظة، فإن كل خطوة في غزة ستكون رهاناً مع الموت، وكل لمسة لأي جسم غريب قد تكون آخر ما يفعله الإنسان في حياته.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال