يواجه صيادو قطاع غزة في الآونة الأخيرة تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً هو الأعنف والأكثر دموية، حيث لم يعد البحر مساحة للرزق بل تحول إلى ساحة مواجهة غير متكافئة تستخدم فيها زوارق الاحتلال الحربية أعتى أنواع الأسلحة ضد "الحسكات" الصغيرة المتهالكة.
وفي هذا الصدد، أطلق مسؤول لجان الصيادين بغزة، زكريا بكر، صرخة تحذيرية كشف فيها عن حجم الانتهاكات الممنهجة التي يتعرض لها الصيادون على مدار الساعة، مؤكداً أن ما يحدث هو محاولة واضحة لتدمير هذا القطاع الحيوي وإجبار آلاف العائلات التي تعتمد على الصيد على النزوح والفقر.
إن استهداف الصيادين بالرصاص والقذائف ليس مجرد حوادث عشوائية، بل هو جزء من استراتيجية "خنق غزة" وتضييق الخناق على أمنها الغذائي، في ظل صمت دولي يشرعن للاحتلال الاستمرار في خرق كافة المواثيق والقوانين الإنسانية التي تحمي المدنيين والعمال في مناطق النزاع.
تصعيد شامل واستهداف للمراكب الصغيرة
أوضح زكريا بكر أن زوارق الاحتلال تشن هجمات مكثفة ومستمرة، مستخدمة الرصاص الحي والقذائف المدفعية تجاه الصيادين الذين يمارسون عملهم في مسافات قريبة جداً من الشاطئ.
هذا التصعيد الكبير لا يفرق بين مركب وآخر، بل يستهدف "الحسكات" الصغيرة التي لا تشكل أي خطر أمني، بهدف منع الصيادين من الوصول إلى مناطق تجمع الأسماك.
وأكد بكر أن إطلاق النار يتم بشكل عشوائي ومباشر لإرهاب الصيادين ومنعهم من كسب قوت يومهم، مما أدى إلى حالة من الشلل شبه الكامل في حركة الصيد، وزاد من معاناة آلاف الصيادين الذين يعانون أصلاً من نقص المعدات وقطع الغيار نتيجة الحصار المطبق المفروض على القطاع منذ سنوات طويلة.
نجاة إعجازية وتدمير كلي لمعدات الصيد
في حادثة تعكس وحشية الاستهداف، كشفت لجان الصيادين عن تعرض حسكة الصياد خليل إبراهيم البردويل لقصف مباشر من قبل زوارق الاحتلال أول أمس.
وأدى القصف إلى انشطار الحسكة لنصفين وغرقها بالكامل في عرض البحر، في مشهد إجرامي كان يهدف لقتل من على متنها. وبفضل العناية الإلهية، نجا صيادان كانا على متن المركب من الموت المحقق بعد أن ألقيا بنفسيهما في الماء قبل لحظات من الانفجار.
إن خسارة هذه الحسكة لا تمثل مجرد فقدان لأداة عمل، بل هي ضياع لمصدر الرزق الوحيد لعائلة البردويل وتدمير لممتلكات تم شراؤها بشق الأنفس في ظل الظروف الاقتصادية القاسية التي يمر بها قطاع غزة، مما يضاعف من فاتورة الخسائر المادية والمعنوية التي يتكبدها الصيادون يومياً.
إصابات فجر اليوم ومسلسل النزيف المستمر
لم تتوقف الاعتداءات عند تدمير المراكب، بل طالت الأجساد المتعبة التي تبحث عن الرزق في عتمة الليل، حيث أفادت المصادر الطبية والمحلية بإصابة الصياد ناصر رمزي بكر برصاص قوات الاحتلال فجر اليوم السبت.
وأكدت لجان الصيادين أن إصابة بكر جاءت أثناء ممارسته عمله المعتاد، وهو ما يرفع وتيرة القلق بين أوساط الصيادين من استمرار سياسة "القنص المتعمد".
إن استهداف الصيادين في ساعات الفجر الأولى يهدف إلى كسر إرادتهم وثنيهم عن دخول البحر، وتحويل مهنة الصيد إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر القاتلة. ويقبع العشرات من الصيادين في مستشفيات غزة يعانون من إصابات وعاهات مستديمة نتيجة هذه الرصاصات الغادرة، دون أن يجدوا أي تعويض أو حماية تضمن لهم كرامة العيش.
غياب الحماية الدولية وتحدي الصيادين للعدوان
رغم كل هذه التهديدات والجرائم، يواصل صيادو غزة تحدي الأمواج والرصاص، مدفوعين بالحاجة الماسة لتوفير الطعام لأطفالهم. إن لجان الصيادين بغزة تجدد دعوتها للمجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية بضرورة التدخل الفوري لتوفير حماية دولية للصيادين في مياه غزة، والضغط على الاحتلال لوقف تغوله على هذه الفئة الكادحة.
إن بقاء الصمت الدولي تجاه ما يحدث في بحر غزة هو ضوء أخضر للاحتلال لمواصلة جرائمه وتوسيع رقعة استهدافه للمدنيين، ويبقى الصياد الفلسطيني هو الرمز الحي للصمود، يواجه بمركبه الخشبي الصغير ترسانة حربية هائلة، مؤكداً للعالم أن إرادة البقاء أقوى من قذائف الموت، وأن بحر غزة سيبقى فلسطينياً مهما بلغت سطوة المحتل وجرائمه.










