20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

آثار الإبادة الجماعية: كيف يواجه النظام الصحي في غزة فاتورة الـ 10 مليارات؟

تواجه المنظومة الصحية في قطاع غزة تحديات غير مسبوقة في تاريخ النزاعات الحديثة، حيث كشفت منظمة الصحة العالمية عن حجم الدمار الهائل

بقلم: محمد خميس
٢٥ أبريل ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
18 مشاهدة
النظام الصحي في غزة

النظام الصحي في غزة

تواجه المنظومة الصحية في قطاع غزة تحديات غير مسبوقة في تاريخ النزاعات الحديثة، حيث كشفت منظمة الصحة العالمية عن حجم الدمار الهائل الذي حل بالبنية التحتية الطبية، مؤكدة أن عملية إعادة التأهيل ليست مجرد مسألة بناء جدران، بل هي استعادة لحق الإنسان في الحياة والوصول إلى العلاج الأساسي.

 وفي إحاطة صحفية حديثة، أوضحت رينهيلد فان دي فيردت، ممثلة المنظمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أن القطاع يحتاج إلى استثمارات ضخمة تقدر بنحو 10 مليارات دولار أمريكي، تمتد على مدى خمس سنوات متواصلة، لضمان عودة الخدمات الصحية إلى مستويات مقبولة تلبي احتياجات السكان الذين عانوا من وطأة الحرب والحصار الطويل.

إن هذه الميزانية الضخمة المقترحة تعكس حجم الكارثة التي طالت أكثر من 1800 منشأة صحية، حيث لم تسلم المستشفيات المركزية الكبرى، مثل مجمع الشفاء الطبي، من الاستهداف المباشر والدمار الشامل أو الجزئي، مما أدى إلى خروجها عن الخدمة تماماً في أوقات حرجة كان فيها المصابون بأمس الحاجة للرعاية العاجلة، ولا تتوقف الاحتياجات عند إعادة بناء المستشفيات، بل تمتد لتشمل مراكز الرعاية الأولية، العيادات التخصصية، المختبرات، والصيدليات التي تمثل العمود الفقري للخدمات الوقائية والعلاجية، بالإضافة إلى توفير الأجهزة الطبية المعقدة التي دمرها القصف أو تعطلت نتيجة انقطاع الكهرباء ونقص الوقود.

فاتورة الاستشفاء والتأهيل النفسي

لا تقتصر رؤية منظمة الصحة العالمية لإعادة الإعمار على الجوانب المادية فقط، بل تركز بشكل محوري على الكادر البشري والاحتياجات النوعية للمرضى، حيث أفرزت الحرب جيلاً من المصابين بإعاقات دائمة، بما في ذلك حالات الشلل وبتر الأطراف التي تتطلب مراكز تأهيل متخصصة وأطرافاً صناعية متطورة. 

كما تبرز الحاجة الملحة لخدمات الدعم النفسي والاجتماعي، خاصة للأطفال الذين تعرضوا لصدمات نفسية عميقة نتيجة القصف المستمر وفقدان ذويهم، حيث تشير التقديرات إلى أن آلاف الأطفال في غزة يحتاجون إلى تدخلات نفسية طويلة الأمد لمساعدتهم على تجاوز آثار الإبادة الجماعية التي استمرت لعامين متتاليين.

وتؤكد التقارير الميدانية أن استعادة الخدمات الطبية تتطلب أيضاً تأمين سلاسل التوريد للأدوية والمستهلكات الطبية التي استُنزفت بالكامل، مع التركيز على الأمراض المزمنة مثل السرطان والفشل الكلوي، التي واجه أصحابها موتاً بطيئاً بسبب نقص العلاج الكيميائي ووحدات الغسيل الكلوي. 

إن الاستثمار المطلوب (10 مليارات دولار) يهدف في جوهره إلى بناء نظام صحي أكثر صموداً وقدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية، مع ضمان توزيع عادل للخدمات الصحية في كافة مناطق القطاع من الشمال إلى الجنوب، لتعويض العجز الذي خلفه الاستهداف الممنهج للمرافق الحيوية خلال أشهر العدوان.

الأوبئة وبيئة مراكز الإيواء

في جانب آخر لا يقل خطورة، يعيش النازحون الفلسطينيون في مراكز الإيواء أوضاعاً بيئية وصحية توصف بالمأساوية، حيث أظهرت تقييمات ميدانية شملت أكثر من 1600 موقع إيواء انتشاراً كثيفاً للقوارض والآفات الضارة، وهو ما يهدد حياة نحو 1.45 مليون شخص يعيشون في ظروف اكتظاظ شديدة. 

هذه البيئة غير الصحية أدت إلى تفشي أمراض جلدية معدية بشكل وبائي، حيث سجلت أكثر من 80% من مواقع الإيواء حالات إصابة بالجرب، القمل، وبق الفراش، وهي أمراض ترتبط مباشرة بنقص المياه الصالحة للاستخدام، وانعدام أدوات النظافة الشخصية، وانهيار شبكات الصرف الصحي التي غمرت مياهها العديد من تجمعات النازحين.

إن انتشار هذه الآفات ليس مجرد مشكلة عرضية، بل هو مؤشر على تدهور المنظومة البيئية الشاملة في غزة، حيث تعجز البلديات والجهات الصحية عن جمع النفايات أو مكافحة الحشرات بسبب نقص المعدات والمبيدات اللازمة. 

ويحذر خبراء الصحة العامة من أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى ظهور أمراض أكثر خطورة، مثل الكوليرا أو التيفوئيد، في ظل ضعف المناعة العامة لدى السكان نتيجة سوء التغذية الحاد، مما يجعل من عملية تطهير مراكز الإيواء وتوفير المياه والتعقيم أولوية قصوى لا تقل أهمية عن إعادة بناء المستشفيات في خطة الخمس سنوات القادمة.

عوائق الاتفاق والالتزامات الدولية

على الرغم من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025، إلا أن الواقع على الأرض لا يزال يشهد تعنتاً واضحاً من قبل سلطات الاحتلال في تنفيذ التزاماتها، حيث يتم عرقلة دخول القوافل الطبية ومواد الإعمار الضرورية عبر المعابر، هذا التنصل من الاتفاقات الدولية يزيد من معاناة المواطنين ويؤخر انطلاق عجلة الإصلاح الصحي، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية للضغط من أجل فتح المعابر بشكل كامل ودائم، وضمان تدفق المساعدات الإغاثية والطبية المتفق عليها دون قيود أو شروط تعجيزية تفرضها دولة الاحتلال تحت ذرائع أمنية واهية.

لقد خلفت الإبادة الجماعية التي بدأت في أكتوبر 2023 بدعم أمريكي واسع، حصيلة ثقيلة تجاوزت 72 ألف شهيد وأكثر من 172 ألف جريح، فضلاً عن دمار طال 90% من البنى التحتية المدنية، وهو ما يجعل مهمة منظمة الصحة العالمية والشركاء الدوليين معقدة للغاية.

 إن نجاح خطة العشر مليارات دولار يعتمد بشكل أساسي على الاستقرار السياسي ووقف الاستهدافات الميدانية، وتوفير التمويل المستدام من الدول المانحة، لضمان ألا تظل هذه الأرقام مجرد تقديرات ورقية، بل تتحول إلى واقع ملموس ينهي معاناة ملايين الفلسطينيين في قطاع غزة الذين يتطلعون إلى حياة كريمة ونظام صحي يحفظ كرامتهم.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

آثار الإبادة الجماعية: كيف يواجه النظام الصحي في غزة فاتورة الـ 10 مليارات؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°