في مشهد سياسي مثقل بالتعقيدات والانقسامات، تعود الانتخابات المحلية في الضفة الغربية لتطرح أسئلة جوهرية تتجاوز حدود التنافس الخدمي إلى عمق البنية السياسية والاجتماعية الفلسطينية.
وبين زخم الحملات الانتخابية على الأرض وتصاعد الدعاية الإعلامية عبر المنصات الرقمية، يبرز التساؤل حول أيهما أكثر قدرة على التأثير الحقيقي في سلوك الناخب.
وفي هذا السياق، تكشف الباحثة والكاتبة في الشأن السياسي، الدكتورة أميرة فؤاد النحال، في حوارها مع موقع "180 تحقيقات"، عن قراءة تحليلية تتناول طبيعة المشهد الانتخابي الراهن، وحدود تأثير الحملات، في ظل واقع سياسي غير مكتمل الأركان، يختبر من جديد مفاهيم الشرعية والتمثيل داخل بيئة تعاني من اختلال التوازن والتعددية.
وإليكم نص الحوار:
ما مدى تأثير الحملات الانتخابية على أرض الواقع مقارنة بالدعاية الإعلامية في كسب أصوات الناخبين؟
في هذه الانتخابات التي تُجرى في الضفة الغربية دون قطاع غزة ، باستثناء دير البلح ، وفي ظل إقصاء حركة حماس بقرار رئاسي، نحن أمام مشهد انتخابي غير مكتمل الأركان، ما يفرض قراءة تتجاوز السطح الدعائي إلى تفكيك البنية السياسية والاجتماعية التي تتحكم بسلوك الناخب، هذه ليست مجرد انتخابات خدماتية بقدر ما هي اختبار للشرعية، وللقدرة على إعادة إنتاج التمثيل في بيئة منقوصة التعددية.
أولًا: الحملات الانتخابية بين الميدان والدعاية الإعلامية
الحملات على الأرض ما زالت، رغم كل التحولات الرقمية، هي العامل الحاسم في الانتخابات المحلية الفلسطينية، في مجتمع تحكمه العلاقات العائلية والبُنى التقليدية، تظل الزيارات المباشرة، والجاهات، والتواصل الشخصي أدوات أكثر تأثيراً من الإعلانات الرقمية، الدعاية الإعلامية تخلق انطباعًا عاماً، لكنها لا تحسم قرار الصندوق.
غير أن الجديد هنا هو التداخل: السوشيال ميديا لم تعد بديلاً ولكنها مُضخِّماً، فالمرشح الذي يمتلك حضوراً ميدانياً قوياً ويُحسن توظيفه رقمياً يضاعف فرصه، أما من يعتمد على الخطاب الإعلامي فقط، فهو غالباً يخاطب جمهوراً عابراً لا كتلة تصويتية صلبة.
بكلمات أدق: الميدان يصنع القاعدة، والإعلام يلمّع الصورة، لكن لا أحد منهما يغني عن الآخر.
كيف يتم التعامل مع أي خروقات أو تجاوزات قد تحدث يوم الاقتراع؟
نظرياً، تُدار العملية الانتخابية عبر أطر قانونية ولجان إشراف، لكن الواقع يكشف أن الخروقات -إن حدثت- غالباً ما تُعالج بمنطق الاحتواء لا المحاسبة.
التجاوزات الشائعة قد تشمل الضغط على الناخبين، أو توجيههم داخل محيط مراكز الاقتراع، أو استثمار النفوذ المحلي، والتعامل معها يعتمد على ثلاثة مستويات:
لجان الاقتراع: توثيق أولي وإجراءات فورية محدودة.
الجهات الرقابية: إصدار تقارير لاحقة قد تفتقر للأثر التنفيذي.
القرار السياسي: وهو العامل الحاسم، إذ يمكن أن يجمّد أو يفعّل أي مساءلة.
المعضلة هنا أن غياب التعددية الكاملة -نتيجة استبعاد فصيل رئيسي- يضعف منسوب الرقابة المتبادلة، ويجعل أي خرق أقل كلفة سياسياً
ما دور مؤسسات المجتمع المدني في تعزيز نزاهة وشفافية العملية الانتخابية؟
تلعب مؤسسات المجتمع المدني دور "حارس الظل" للعملية الانتخابية، فهي لا تدير الصندوق لكنها تراقب مساره.
وظيفتها تتجلى في:
* نشر الوعي الانتخابي ورفع نسبة المشاركة.
* تدريب المراقبين وتوثيق الانتهاكات.
* إصدار تقارير تضغط أخلاقياً وإعلامياً باتجاه النزاهة.
لكن فعاليتها تبقى نسبية، لأنها تفتقر لأدوات الإلزام، وتأثيرها الحقيقي يتعاظم عندما يتحول تقريرها إلى قضية رأي عام.
في هذه الانتخابات تحديداً، يقع على هذه المؤسسات عبء مضاعف لتعويض غياب التوازن السياسي، عبر تعزيز الشفافية كبديل عن التعددية.
إلى أي حد يمكن أن تؤثر نتائج هذه الانتخابات على أولويات الإنفاق داخل البلدية؟
الانتخابات المحلية في جوهرها انتخابات خدمات، لكن السياسة تتسلل إليها من بوابة توزيع الموارد، والنتائج ستنعكس مباشرة على:
أولويات المشاريع (بنية تحتية، مياه، طرق، خدمات اجتماعية).
توجيه الإنفاق نحو قواعد انتخابية بعينها.
إعادة ترتيب العلاقة بين البلدية والمجتمع المحلي.
في بيئة يغلب عليها الطابع العائلي، قد تتحول الموازنات إلى أدوات “ترضية اجتماعية” أكثر منها خطط تنموية متوازنة.
أما في حال صعود قوائم ذات طابع مهني أو شبابي، فقد نشهد تحولاً نحو إدارة أكثر كفاءة، لكن هذا يظل رهيناً بقدرتها على مقاومة ضغوط الواقع التقليدي.
كيف ينظر الجيل الجديد من الناخبين إلى فكرة المشاركة في الانتخابات بعد سنوات من التوقف؟
الجيل الجديد يقف على مسافة مترددة من هذه الانتخابات، سنوات التوقف، والانقسام، وتآكل الثقة بالمؤسسات، خلقت حالة من الشك العميق بجدوى المشاركة، ويمكن تقسيم هذا الجيل إلى ثلاث فئات:
فئة منخرطة: ترى في الانتخابات فرصة للتغيير الجزئي ولو كان محدودًا.
فئة مترددة: تشارك بدافع اجتماعي أو عائلي لا سياسي.
فئة مقاطِعة: تعتبر العملية برمتها فاقدة للشرعية بسبب غياب الشمول الجغرافي والسياسي.
المفارقة أن هذا الجيل هو الأكثر وعياً، لكنه الأقل حماسة، لأنه يقرأ المشهد بوصفه إدارة للأزمة لا حلاً لها.
نُجمل الخلاصة هنا، هذه الانتخابات ليست مجرد تنافس على مقاعد بلدية، ولكنها إعادة توزيع للقوة داخل فضاء سياسي منقوص، فالحملات الميدانية تحسم، لكن ضمن سقف سياسي محدد مسبقاً، والنزاهة تُدار، لكنها ليست محصّنة بالكامل، والمجتمع المدني يراقب، لكنه لا يفرض، والنتائج ستؤثر خدمياً، لكنها محكومة باعتبارات اجتماعية وسياسية، أما الجيل الجديد، فهو المؤشر الأخطر، فمشاركته أو عزوفه هو استفتاء غير مباشر على شرعية المشهد كله.
في المحصلة، تكشف هذه الانتخابات عن واقع سياسي معقد تتداخل فيه الاعتبارات الخدمية مع الحسابات السياسية والاجتماعية، لتتحول العملية الانتخابية إلى ما يشبه اختباراً محدوداً داخل إطار أوسع من القيود.
فبين تأثير الحملات الميدانية وسطوة البُنى التقليدية، وضعف أدوات الرقابة، وتراجع حماسة الجيل الجديد، يتضح أن النتائج لن تكون مجرد انعكاس لإرادة الناخبين بقدر ما هي نتاج توازنات قائمة سلفاً ومع ذلك، تظل هذه الانتخابات مؤشراً مهماً على اتجاهات الشارع الفلسطيني، وقدرته ولو جزئياً على إعادة صياغة أولوياته في ظل واقع يراوح بين الرغبة في التغيير وحدود الممكن.








