تشهد الساحة الدولية اليوم تداخلاً غير مسبوق بين الحدث الأمني الصادم داخل الولايات المتحدة، والمتمثل في حادثة استهداف ترامب، والتطورات الحرجة في مسار الحرب والعدوان المستمر.
هذا التداخل يفرض واقعاً مأساوياً على الأراضي الفلسطينية، حيث باتت غزة والضفة الغربية تعيشان تحت وطأة انتهاكات متصاعدة تقع تماماً "خارج مسار التهدئة" المزعوم.، وإن الارتباك الداخلي الأمريكي لم يؤدِ فقط إلى شلل في اتخاذ القرار العسكري الواضح، بل منح الضوء الأخضر الضمني للاحتلال لمواصلة جرائمه بعيداً عن الرقابة الدولية، مما جعل مسار التفاوض المتعثر مجرد غطاء دبلوماسي لاستمرار القتل الممنهج والتدمير الشامل الذي لا يستثني حجراً ولا بشراً.
ارتباك واشنطن: ضوء أخضر لتصعيد الانتهاكات في غزة
إن حادثة استهداف ترامب لم تكن مجرد خرق أمني، بل كانت زلزالاً ضرب هيبة "المركز الأمريكي"، وهو ما استغلته آلة الحرب الإسرائيلية فوراً لتكثيف غاراتها على قطاع غزة. فبينما ينشغل البيت الأبيض بمراجعة ثغراته الأمنية وصراعاته الانتخابية، تسجل غزة حصيلة شهداء وجرحى يومية تعكس وحشية الانتهاكات الخارجة عن أي مسار للتهدئة.
هذا الارتباك الأمريكي جعل "القرار العسكري" تجاه غزة يبدو وكأنه خاضع تماماً للأجندة الصهيونية التي تسعى لحسم المعركة بالنار، مستفيدة من غياب الضغط الفعلي من واشنطن التي باتت مكبلة بأزماتها الداخلية التي تهدد استقرار نظامها السياسي بشكل كامل.
الضفة الغربية: اقتحامات يومية في ظل غياب الرقابة الدولية
لا يختلف المشهد في الضفة الغربية عن غزة من حيث القسوة، بل يزداد تعقيداً مع تصاعد هجمات المستوطنين والاقتحامات الليلية للمدن والقرى.
إن استمرار الانتهاكات في الضفة يعكس استراتيجية احتلالية واضحة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض بينما ينظر العالم إلى "الارتباك الأمريكي" بذهول وإن تغطية هذه الأحداث بأسلوب مركب تكشف أن ما يحدث في نابلس وجنين ورام الله ليس مجرد إجراءات أمنية، بل هو جزء من مسار الحرب الشاملة التي تستهدف الوجود الفلسطيني، مستغلة تعثر المفاوضات الدولية وانقسام المجتمع الدولي الذي فشل حتى الآن في لجم العربدة الإسرائيلية المدعومة بصمت أمريكي مريب.
مسار التفاوض المتعثر: الهروب من استحقاقات السلام
أثبتت التطورات الأخيرة أن مسار التفاوض الحالي ما هو إلا أداة لشرعنة استمرار الحرب وكسب الوقت لصالح الاحتلال. إن الارتباك الأمريكي الناتج عن حادثة ترامب جعل المفاوض الإسرائيلي أكثر تعنتاً، حيث يدرك أن الإدارة الأمريكية الحالية غير قادرة على ممارسة ضغوط حقيقية في ظل هشاشتها الداخلية، هذا التعثر دفع غزة والضفة للبقاء في "مربع الاستهداف الدائم"، حيث يتم تجاوز كل مبادرات التهدئة عبر افتعال أزمات أمنية جديدة أو شن غارات استباقية غاشمة. إن الشعب الفلسطيني يجد نفسه اليوم يواجه مصيره وحيداً في مواجهة آلة قتل لا تحترم العهود، ومدعومة بنظام دولي ينهار تدريجياً تحت وطأة انقساماته العميقة.
مستقبل القرار العسكري في ظل الصمود الفلسطيني
رغم حجم الدمار في غزة وشراسة القمع في الضفة، يبقى الصمود الفلسطيني هو الرقم الصعب الذي يربك كل الحسابات، وإن فشل الاحتلال في تحقيق أهداف عسكرية حاسمة، رغم الانتهاكات الصارخة، يثبت أن إرادة الشعوب أقوى من التكنولوجيا العسكرية.
ومع تزايد الارتباك الأمريكي، قد تضطر القوى الإقليمية والدولية لإعادة النظر في "مسار التهدئة" ليكون أكثر عدالة وواقعية، خاصة وأن استمرار الحرب يهدد بتفجير المنطقة بأسرها وإن غزة والضفة، بتمسكهما بالأرض، يفرضان اليوم واقعاً جديداً يتجاوز كل المخططات التي تحاك في الغرف المغلقة بواشنطن أو تل أبيب، ويؤكدان أن لا استقرار في المنطقة دون إنهاء هذا العدوان الغاشم.






