لا لسواد العيون؛ بل لسواد المصير...
شبكةٌ متعاكسة من الزيارات "التاريخيّة، كما يسمّونها"، إلى واشنطن خوفًا، "عفوًا"، حبًا؛ وإلى غيرها بُغضًا. فإن بدأنا من زيارة ماكرون إلى سوريا، يمكننا فهم الحركات العبثيّة التي يحاول فيها ماكرون قطع طريق ترامب - الذي لا يمدح شخصًا إلا للإيقاع به - من خلال استقراء قلق ماكرون الدائم من "لكمةٍ زوجيّة"، تنعكس على فعل كلّ ما هو عشوائيّ بلا فائدة. يكفي أن ندقّق في فأل هذه الزيارة، التي أقلقتها مجموعة صغيرة متصارعة على مكسب ما، بعد تحوّل الصراع من ساحات "الحواجز" إلى ساحات المناصب.
أمّا زيارة رئيس وزراء العراق إلى واشنطن، فهي لم تزد على حدّ انتشاء ترامب، وهو يصوّر للعالم أهميّة هدايا "حجيجه". لكنّ الأمر لم يتوقّف عند هذا الحدّ، بل وصل إلى حدّ استعمال الزيدي مخزون ثقة غير متوفر أصلًا؛ للحديث عن موعد نهائي لنزع سلاح الفصائل، في مغامرة أقلّ ما يُقال عنها أنّها متسرّعة. حتى ترمب ذاته لم يجرؤ على طلبها منه.
ظاهرة تقديم تنازلات غير مطلوبة، بل زائدة على حدّ "نيل الرضا"، مألوفة في سياسات المنطقة. لقد بدت واضحةً عند سقوط الأنظمة، حين بانَت هلاميّة قوى الدعم التي أحرقت أعمار أهالي هذه الدول وأرزاقهم؛ قبل اكتشافهم صنميّة خوفهم في "ليلةٍ بلا ضحى".
لكنّ اللعبة التي أظهرت قدرًا أكبر من "الفهلوة" كانت في زيارة رئيس وزراء لبنان إلى تركيا، التي أراد منها الالتفاف خلف "جدار المنزل" على شكل السيطرة في معركته مع حزب الله، وفقًا لاعتبارات الدعم التركي للإدارة السوريّة من جهة، ومراوغة تركيا في تسويق عداء إسرائيل من جهة ثانية؛ في خطوة يسعى فيها أردوغان إلى سحب قيادة تدخّل سوري في لبنان من يد ترامب. لكن، مع كل هذه الخسارات، يبقى لبنان رابحًا لـ"دفتر المذكرات المترجم"، هديّة من "سنّي إلى سنّي أو سنّة".
يبدو أنّ اللغة الإنجليزيّة أكثر قبولًا من التركيّة لدى الرئيس اللبناني، الذي يزور الولايات المتحدة اليوم. لا تختلف زيارته هذه عن زيارات غيره من حيث تأثيرها في مسار الأحداث، ولن تتعدى، في أحسن أحوالها، فرصةً لإلقاء ترامب خطبة من خُطَبِه المُملّة عن التدمير، والإعمار، والصفقات، والإرهاب، ودور إيران... إلخ. ليس في جعبة ترمب ما يقدّمه إلى لبنان أكثر من استعماله ساحةً لفوضى عِراكِه مع إيران. وهو ذاته حال جعبة عون، الذي قدّم من التنازلات ما لم يُطلب منه حتى؛ بحيث لم يبقَ لديه المزيد منها، أي: "شو رايح تعمل".
ليس هناك سوى تحميل ترمب لعون مسؤوليّة موافقة الأخير على دخول سوري لبلاده ومنحه شرعيّة، تُعفي ترمب من تبعات المخاطرة فيها؛ باعتبارها حلقة مهمّة في حلقات سير الأحداث، التي رتّب فيها ترامب صدامًا قادمًا في بلاد عون وجارتها، يريد لهما الانزلاق في تأمين "شرعيّة تزاوج فرص" هاتين الجارتين، وتحقيق نزف إيراني يُمكّن ترامب من تحضير انقضاضةٍ عليها.
تبقى، أخيرًا، زيارة نتنياهو المرتقبة إلى الولايات المتحدة، التي يحاول فيها فهم ما سيأتي، بعد استماعه إلى درس ترامب حول أصول التعامل التجاري في قضايا سياسيّة عسكريّة. بات واضحًا أنّ كلًّا منهما لا يعلم منها شيئًا، سوى تدوير المقالب وإعادة ديباجات الانتصار على الإرهاب.
زبدة ما يتوسّل إليه ترامب هي: إخلاء "ساحة الفوضى" أمام الفوضى التي تضمن له الابتعاد عن مُعاركة مواقع لا تغيّرها جيوشه. لهذا أبلغ نتنياهو بالانسحاب من لبنان وسوريا؛ كي لا ينجرّ إلى تحمّل المسؤوليّة عنه، وقبل ذلك سحب قوّاته من سوريا والعراق بنسبة ما؛ لأنّه يعرف جيّدًا أنّ فوضى كبيرة قادمة، لكنّه لا يعرف حجمها ولا أين ستنتهي.









