كشف محافظ بنك إسرائيل أن تكلفة الحرب منذ أكتوبر 2023 تجاوزت حاجز 400 مليار شيقل، في رقم يعكس حجم الاستنزاف غير المسبوق الذي يتعرض له الاقتصاد الإسرائيلي. هذا الرقم لا يعبّر فقط عن نفقات عسكرية مباشرة، بل يشمل أيضًا تداعيات أوسع تمتد إلى مختلف القطاعات، من البنية التحتية إلى سوق العمل، مرورًا بالاستثمارات التي تراجعت بفعل حالة عدم الاستقرار.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي دخل مرحلة ضغط حقيقي، حيث لم تعد المسألة مرتبطة بتمويل العمليات العسكرية فحسب، بل بقدرة الدولة على تحمّل كلفة حرب طويلة الأمد، خاصة في ظل تراجع الثقة الاقتصادية داخليًا وخارجيًا. وبحسب تصريحات المحافظ، فإن هذا المسار المالي يضع تحديات ثقيلة أمام صناع القرار في المرحلة المقبلة.
ديون تتفاقم
أحد أبرز المؤشرات على هذا التدهور هو القفزة الحادة في نسبة الدين العام، التي ارتفعت من نحو 60% إلى 70% من الناتج المحلي الإجمالي. هذا الارتفاع السريع، وفق التقديرات الرسمية، أدى إلى تبديد إنجازات مالية تراكمت على مدار سنوات، حيث كانت إسرائيل تسعى إلى خفض مستويات الدين وتحقيق استقرار نسبي في مؤشرات الاقتصاد الكلي.
غير أن الحرب قلبت هذه المعادلة، إذ اضطرت الحكومة إلى زيادة الاقتراض لتمويل النفقات المتزايدة، ما يضعها أمام معادلة صعبة بين الاستمرار في الإنفاق العسكري وبين الحفاظ على التوازنات المالية. وتزداد خطورة هذا الوضع مع ارتفاع تكاليف خدمة الدين، ما يعني أن جزءًا أكبر من الميزانية سيُخصص مستقبلاً لسداد الفوائد بدلًا من الاستثمار في التنمية.
إنفاق عسكري متصاعد
في سياق متصل، ارتفع الإنفاق الدفاعي بنسبة 130% ليصل إلى 143 مليار شيقل، وهو ارتفاع غير مسبوق يعكس حجم العمليات العسكرية المستمرة واتساع نطاقها. هذا التضخم في الميزانية العسكرية جاء على حساب قطاعات أخرى، مثل التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، التي تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة إعادة توجيه الموارد.
ويُظهر هذا التحول أن الأولويات داخل الدولة باتت تميل بشكل شبه كامل نحو الأمن والعسكرة، وهو ما يثير تساؤلات حول استدامة هذا النهج على المدى الطويل، خاصة في ظل غياب أفق واضح لنهاية الصراع، واستمرار التوتر على أكثر من جبهة في المنطقة.
اقتصاد منهك
في ضوء هذه المؤشرات، تبدو صورة الاقتصاد الإسرائيلي أكثر هشاشة مما كانت عليه قبل الحرب. إذ تشير التقديرات إلى أن استمرار الاتجاهات الحالية—من ارتفاع الدين إلى تضخم الإنفاق العسكري—قد يدفع الاقتصاد نحو حالة إنهاك طويلة الأمد، يصعب التعافي منها سريعًا.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن السياق الأوسع للحرب منذ أكتوبر 2023، حيث تسببت العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة بدمار واسع وخسائر بشرية كبيرة، وفقًا لتقارير صادرة عن منظمات دولية. كما لعب الدعم الأمريكي دورًا مباشرًا في تمكين استمرار هذه العمليات، سواء عبر المساعدات العسكرية أو الغطاء السياسي، وهو ما ساهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد تداعياتها الاقتصادية.
تداعيات مفتوحة
تشير هذه التطورات إلى أن تكلفة الحرب لا تُقاس فقط بما يُنفق اليوم، بل بما ستتركه من آثار ممتدة على المدى البعيد. فاقتصاد يعتمد بشكل متزايد على الاقتراض والإنفاق العسكري يصبح أكثر عرضة للأزمات، خاصة إذا ترافقت هذه السياسات مع بيئة إقليمية غير مستقرة.
وفي ظل غياب مؤشرات حقيقية على التهدئة، يبدو أن إسرائيل تواجه اختبارًا اقتصاديًا قاسيًا، قد يعيد تشكيل أولوياتها الداخلية ويكشف حدود قدرتها على الجمع بين الحرب والاستقرار المالي في آن واحد.






