في تقرير حقوقي وإنساني يزلزل الأوساط الدولية، أدانت منظمة "أطباء بلا حدود" استمرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي في ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية بحق سكان قطاع غزة عبر الحرمان الممنهج والمتعمد من المياه.
وأكدت المنظمة الدولية أن هذا النهج ليس مجرد نتيجة عرضية للعمليات العسكرية، بل هو "عقاب جماعي" مخطط له يهدف إلى تدمير مقومات الحياة الأساسية، ومع استمرار الحرب في عام 2026، بات الحصول على شربة ماء نظيفة في غزة بمثابة رحلة محفوفة بالمخاطر، حيث وثقت الفرق الميدانية استهدافاً مباشراً للمدنيين وصهاريج المياه والآبار، مما حول الحاجة البيولوجية الأبسط للإنسان إلى وسيلة للقتل والتهجير القسري تحت وطأة العطش والأوبئة.
تدمير البنية التحتية: 90% من شبكات مياه غزة خارج الخدمة
تشير البيانات الصادرة عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، والتي عززها تقرير أطباء بلا حدود، إلى أن ما يقرب من 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي في غزة قد تعرضت للتدمير أو الضرر البالغ.
محطات تحلية المياه والآبار وخطوط الأنابيب التي كانت تشكل شريان الحياة لعشرات الآلاف من السكان باتت الآن أثراً بعد عين. وبحسب كلير سان فيليبو، رئيسة قسم الطوارئ في المنظمة، فإن الجيش الإسرائيلي لم يكتفِ بالتدمير العام، بل تعمد إطلاق النار على صهاريج مياه محددة بوضوح، مما أدى لإصابة وقتل فلسطينيين لم تكن جريمتهم سوى محاولة سد رمق عائلاتهم بقطرات من الماء، في مشهد يعكس وحشية "سياسة الهيمنة" المتبعة منذ عقود.
سياسة التعطيل الممنهج: رفض ثلث طلبات استيراد معدات المياه
تجاوزت ممارسات الاحتلال التدمير الميداني إلى "الحصار الإداري" الخانق؛ حيث كشفت منظمة أطباء بلا حدود أن السلطات الإسرائيلية رفضت أو تجاهلت ثلث الطلبات الخاصة باستيراد معدات المياه والصرف الصحي الحيوية، وشملت القائمة الممنوعة وحدات تحلية المياه، والمضخات، والكلور الضروري لمعالجة المياه، وحتى المولدات الكهربائية وزيت المحركات، هذا التعطيل المتعمد حال دون قدرة الفرق الإنسانية على إصلاح ما دمره القصف، مما جعل السكان رهينة للمياه الملوثة التي أدت لانتشار واسع للأمراض الجلدية والمعوية، وزادت من معاناة الفئات الأشد هشاشة كالنساء والأطفال وذوي الإعاقة في مخيمات النزوح المكتظة.
الأثر النفسي والكرامة الإنسانية: العطش كدافع للأفكار الانتحارية
لم تتوقف عواقب نقص المياه عند حدود الصحة البدنية، بل امتدت لتضرب العمق النفسي للنازحين؛ حيث رصد علماء النفس في "أطباء بلا حدود" ظاهرة مفجعة تتمثل في انتشار الأفكار الانتحارية بين السكان بسبب فقدان الأمل والعجز عن توفير المياه النظيفة أو الصابون أو منتجات النظافة النسائية.
إن ارتفاع أسعار هذه المستلزمات الأساسية بشكل خيالي، بالتزامن مع فقدان الكرامة الإنسانية في الخيام المكتظة، خلق ضغطاً نفسياً لا يمكن تحمله. إن حرمان الإنسان من الماء ليس فقط قتلاً لجسده، بل هو تحطيم لإرادته وروحه، وهو ما تعتبره المنظمة جزءاً لا يتجزأ من سياسة الإبادة الجماعية التي تستهدف الوجود الفلسطيني في غزة.





