في قراءة تعكس حجم الارتباك داخل المؤسسة الإسرائيلية، يرسم الكاتب الإسرائيلي رون بن يشاي في صحيفة يديعوت أحرونوت صورة قاتمة للمشهد في لبنان، حيث تبدو إسرائيل، رغم تفوقها العسكري الساحق ودعم أمريكا المباشر، غارقة في مستنقع استنزاف مفتوح دون مخرج قريب. وبحسب الكاتب، فإن الأزمة الراهنة لا تحمل حلاً عسكريًا أو سياسيًا واضحًا، خصوصًا بالنسبة لسكان الجليل الذين يعيشون تحت ضغط يومي متواصل، وسط تصاعد الشعور بفقدان الأمان وتزايد الحديث عن الهجرة الداخلية من شمال فلسطين المحتلة.
ويعكس هذا التوصيف الإسرائيلي اعترافًا ضمنيًا بأن الحرب، رغم ما خلّفته من دمار واسع في جنوب لبنان، لم تنجح في فرض معادلة حسم نهائي. بل إن إسرائيل، التي طالما روّجت لقدرتها على الردع السريع، تجد نفسها أمام حرب استنزاف مركبة، تتداخل فيها الحسابات الميدانية مع القيود السياسية الأمريكية، في مشهد يؤكد أن قرار الحرب والسلم لم يعد إسرائيليًا خالصًا، بل بات مرتبطًا إلى حد بعيد بإرادة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب وإدارته.
حزب الله بين الاستنزاف والبقاء
يرى بن يشاي أن "حزب الله" يمر بمرحلة شديدة الصعوبة، إذ يواجه ضغوطًا عسكرية هائلة، وتراجعًا في قدراته اللوجستية نتيجة تعذر الدعم الإيراني المباشر، إلى جانب تصاعد الانتقادات الداخلية اللبنانية لدوره العسكري وهيمنته السياسية. ووفقًا للرؤية الإسرائيلية، فإن الحزب بات يقاتل بإمكانات أكثر محدودية، معتمدًا بصورة رئيسية على الصواريخ قصيرة المدى، وقذائف الهاون، والطائرات المسيّرة، والصواريخ المضادة للدروع.
لكن هذه القراءة، رغم تركيزها على حالة الإنهاك، تكشف في الوقت ذاته أن الحزب ما زال يمتلك ما يكفي لتعطيل الحياة في شمال فلسطين المحتلة وإبقاء الجبهة مشتعلة. وهذا بحد ذاته يعني أن إسرائيل، رغم آلة القتل الهائلة، لم تستطع حتى الآن تحييد هذا التهديد بصورة كاملة. فالمعضلة ليست فقط في حجم القوة المستخدمة، بل في حدود فعاليتها أمام تنظيم يعتمد على حرب العصابات، والمرونة العملياتية، والاستعداد لخوض مواجهة طويلة.
لبنان بين الدمار والضغط الداخلي
بحسب المقال، فإن الضربات الإسرائيلية المكثفة، خصوصًا جنوب الليطاني، خلقت واقعًا إنسانيًا كارثيًا مع تدمير قرى ومنازل ونزوح مئات الآلاف من المدنيين اللبنانيين، معظمهم من البيئة الشيعية. ويشير الكاتب إلى أن هذا التدمير يولد ضغطًا اجتماعيًا على "حزب الله"، في ظل الغضب الشعبي الناتج عن فقدان المأوى وتراجع الخدمات.
غير أن هذه المقاربة الإسرائيلية تتجاهل عمدًا حقيقة أن استهداف البنية المدنية وتدمير المنازل يدخل في سياق سياسة العقاب الجماعي، وهي السياسة نفسها التي مارسها الاحتلال الإسرائيلي بوحشية أكبر في غزة منذ أكتوبر 2023 بدعم أمريكي مباشر، حيث كشفت المجازر المستمرة زيف الخطاب الإسرائيلي حول "الاستهداف الدقيق". فإسرائيل، التي تقدم نفسها كطرف يسعى للأمن، تستخدم التدمير المنهجي كأداة ضغط سياسي ونفسي، وهو ما يعمق الكارثة الإنسانية أكثر مما يصنع استقرارًا.
شبح الحرب الأهلية
أحد أبرز أوجه القلق الإسرائيلي، كما يعرضه بن يشاي، يتمثل في احتمال انزلاق لبنان إلى حرب أهلية إذا شعر "حزب الله" بأن وجوده مهدد بصورة مصيرية. ويشير إلى أن الحزب لا يزال يمتلك نفوذًا واسعًا داخل الطائفة الشيعية، إلى جانب قدرته على استخدام ورقة القوة الداخلية إذا اقتضت الضرورة.
هذا الطرح يعكس إدراكًا إسرائيليًا لحقيقة أن تفكيك "حزب الله" لا يتعلق فقط بضربه عسكريًا، بل بتركيبة لبنان الداخلية المعقدة. فلبنان ليس ساحة عسكرية معزولة، بل بنية طائفية وسياسية شديدة الهشاشة، وأي محاولة لفرض تغييرات جذرية بالقوة قد تفجر البلاد بأكملها، بما يجعل إسرائيل أمام فوضى أكثر خطورة من الوضع الحالي.
أزمة الردع الإسرائيلي
يعترف الكاتب بأن الجيش الإسرائيلي يواجه صعوبات تكتيكية واضحة، خاصة في التعامل مع صواريخ الكاتيوشا والطائرات المسيّرة، وهي أدوات منخفضة الكلفة نسبيًا لكنها عالية التأثير في إنهاك الجبهة الداخلية. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأنها تكشف أن التفوق التكنولوجي الإسرائيلي لا يعني بالضرورة قدرة مطلقة على الحسم، خصوصًا عندما تكون المواجهة مع خصم يعتمد على الانتشار، والتمويه، والاستنزاف.
ويطرح بن يشاي خيارين: إما توغل عسكري أوسع شمال الليطاني لعدة أشهر، أو اتفاق سياسي لوقف إطلاق النار يضمن تقييد "حزب الله". لكن المفارقة أن كلا الخيارين يعكسان غياب الحسم الحقيقي؛ فالتوغل يحمل كلفة بشرية واقتصادية كبيرة، بينما الاتفاق السياسي يعني عمليًا الاعتراف ببقاء الحزب لاعبًا رئيسيًا.
واشنطن تمسك بالخيوط
اللافت في المقال هو الإقرار الصريح بأن إسرائيل مقيدة إلى حد بعيد بالقرار الأمريكي. فترامب، وفقًا للكاتب، هو من يحدد سقف الحركة، سواء عبر الضغط نحو التهدئة أو السماح بالتصعيد. وهذه الحقيقة تكشف مجددًا طبيعة العلاقة العضوية بين أمريكا وإسرائيل، حيث لا تنفصل الحروب الإسرائيلية الكبرى عن الحسابات الأمريكية الأوسع، سواء في لبنان أو غزة أو إيران.
ومن هنا، فإن مستقبل الجبهة اللبنانية لا يتوقف فقط على ميزان القوى الميداني، بل أيضًا على مسار العلاقة الأمريكية الإيرانية، واحتمالات التفاهم أو الانفجار بين واشنطن وطهران.
انتظار فوق النار
في نهاية المطاف، تكشف هذه القراءة الإسرائيلية أن إسرائيل، رغم قوتها العسكرية، تواجه مأزقًا استراتيجيًا حقيقيًا في لبنان: لا حرب شاملة ممكنة بسهولة، ولا سلام شامل متاح، ولا حسم سريع في الأفق. وبينما تستمر آلة الحرب في إنتاج الدمار، يبقى سكان الشمال في حالة استنزاف، كما يبقى لبنان أسير تهديد مزدوج: العدوان الإسرائيلي من جهة، واحتمالات الانفجار الداخلي من جهة أخرى.
المشهد الأوسع يؤكد أن المنطقة لا تتحرك فقط وفق الحسابات المحلية، بل ضمن شبكة صراعات إقليمية ودولية معقدة، تتصدر فيها أمريكا دور الموجه الأساسي. أما الشعوب، من جنوب لبنان إلى غزة، فتظل الأكثر دفعًا لثمن الحروب، وسط واقع يكشف أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لصناعة نهاية مستقرة.










