بكلمات خالدة تجسد أبلغ معاني الأمومة والتضحية، بررت الفلسطينية سناء زكارنة تسارع خطواتها وسبقها لابنها عز الدين أبو معلا خلال ذهابه للاعتقال. قالت سناء: "إن كان قدر ابني الموت، ليكون قدري إلى الموت قبله". وكان جنود الاحتلال قد اقتحموا بلدة قباطية جنوب جنين، واستدعوا الشاب عبر الهاتف لتسليم نفسه.
كانت عقارب الساعة تشير إلى الواحدة من فجر أمس الأربعاء، حين اتصل ضابط المخابرات الصهيوني بعائلة الشاب أبو معلا. وطلب الضابط من العائلة تسليم عز الدين فوراً، فما كان من والدته سناء إلا أن أصرت على مرافقته. وبقيت معه أثناء احتجازه وتعذيبه وحتى الإفراج عنه، مؤكدة أنها كانت تخاف "أن يقتلوه" كما قتلوا غيره.
في تلك اللحظة الفارقة، تحركت غرائز الأمومة لدى سناء بكل ما تحمله من مشاعر الخوف والقلق. ورفضت تماماً أن يذهب ابنها وحده إلى الجنود المدججين بالسلاح. وكان جيش الاحتلال قد حول منازل في القرية إلى مراكز اعتقال وتحقيق ميداني مع من كان يعتقلهم. فكان قرار الأم أن تكون درعاً لابنها.
خوف أم
بينما كان عز الدين يسير خطوة، كانت سناء تسبقه باثنتين، جاعلة من نفسها حاجزاً بشرياً لحمايته. تقول سناء للجزيرة: "فأصعب شيء في الحياة أن تكون في مكان الأم، وأن تسمع صوت ابنك يُضرب ويُعذّب وتصمت". وتضيف: "في تلك اللحظة تبددت مشاعر الخوف لدي، وكل ما فكرت فيه هو كيف أحمي ابني من الجنود المدججين بالسلاح". وكانت شوارع البلدة تمتلئ بالجنود الذين يملؤون كل مكان.
وخشية أن يطلق الجنود النار على نجلها في أي لحظة، تقدمت سناء بخطواتها واضعة يدها على كتفه. وكانت تحاول إرجاعه إلى الوراء، فهي لا تستوعب أن يُغتال أمام عينيها وتظل هي على قيد الحياة. تقول بكل حسم: "فأنا أقول دوماً روحي قبل روح ابني وعمري قبل عمره". وهذه المشاعر الجياشة بالحب والخوف جعلتها تتحدى جيشاً بأكمله.
لم تقل سناء هذه الكلمات جزافاً أو استعراضاً؛ فقد ذاقت ويلات الاعتقال لنجلها عز الدين قبل ذلك. إذ اعتقله الاحتلال لسبع سنوات كاملة، وحرمه طفولته التي قضى معظمها خلف القضبان. وأُفرج عنه قبل أسبوع فقط من الحادثة. لذا، فإن خوفها كان مبنياً على تجربة أليمة ومعرفة حقيقية بجبال الاحتلال.
لحظة إجبار قوات الاحتلال الدكتورة سناء زكارنة ونجلها على تسليم نفسيهما في بلدة قباطية جنوب جنين#فيديو pic.twitter.com/HACtFF9Owu
— الجزيرة فلسطين (@AJA_Palestine) April 29, 2026
صرخة أم
وعن تفاصيل عملية الاعتقال فجراً، تقول سناء إن الجنود اقتادوا ابنها إلى غرفة في مركز الاستجواب الميداني. وكان معه ابن عمه، وأغلقوا عليهم الباب وأخذوا يضربونه بقوة وبوحشية. وعندما سمعت صوت نجلها يصرخ من الألم، أخذت تصرخ هي أيضاً خارج الغرفة. حتى خرج الضابط الإسرائيلي، فنشبت بينها وبينه مشادة كلامية حادة، بعد أن أخبرته أن ما يفعلونه مخالف للقوانين الدولية والإنسانية.
وحينها -أضافت سناء- "اتهم الضابط ابني بأنه مخرب كبير". ولكنها ردت عليه بمنطق الأم التي تعرف ابنها: "فقلت له كيف ذلك ولم يمض على الإفراج عنه سوى أسبوع؟". وأكدت للضابط أن عز الدين لم يغادر البيت منذ عودته. وهذا يؤكد سخافة التهم الموجهة إليه. لكن الاحتلال لا يحتاج إلى تهم حقيقية لاعتقال فلسطيني.
كل هذه القوة والصلابة رافقت سناء طوال الوقت. وأخذت تدافع عن نجلها بقوة، كونها مرت بتجربة أشد وأقسى من قبل. فقبل الإفراج عن عز الدين، تلقت اتصالاً من رقم هاتف إسرائيلي يخبرها بتفاصيل مروعة. قيل لها إنه تم قتل ابنها في السجن. وهو ما جعل خوفها عليه يزداد أضعافاً مضاعفة، وخاصة بعد تحرره. فشبح الموت يلازم كل أسير فلسطيني.
"ضربوا ابني وسمعوني صراخه".. سناء زكارنة والدة الأسير المحرر عز الدين أبو معلا ترافقه إلى الاعتقال عقب اقتحام قوات الاحتلال بلدة قباطية جنوب جنين#رقمي pic.twitter.com/uxcne8ScrZ
— الجزيرة فلسطين (@AJA_Palestine) April 29, 2026
أرقام صادمة
تشير معطيات نادي الأسير الفلسطيني إلى أرقام صادمة تعكس حجم المعاناة. فإجمالي عدد الأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال حتى بداية أبريل 2026 تجاوز 9600 أسير وأسيرة. وهذا الرقم يعكس ارتفاعاً بنسبة 83% مقارنةً بعددهم قبل حرب الإبادة على غزة. والذي بلغ حينها 5250 أسيراً فقط، بينهم 86 أسيرة و350 طفلاً.
فيما بلغ عدد الأسرى الشهداء 326 شهيداً منذ عام 1967 وحتى الآن. ومن بين هؤلاء، استشهد 89 أسيراً في أعقاب جريمة الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على غزة. وهؤلاء هم فقط المعلومة هوياتهم كشهداء. أما العشرات من معتقلي غزة، فلا يزالون رهن الإخفاء القسري دون أن تعرف عائلاتهم مصيرهم حتى اليوم. وهذه الأرقام تجعل قصة سناء وعز الدين نموذجاً حياً من آلاف القصص المأساوية التي يعيشها الأسرى وعائلاتهم يومياً تحت الاحتلال.






