19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

قبل فوات الأوان: عائلة أسير فلسطيني محرر تناشد لقاءه في القاهرة وهو يصارع المرض وحيدًا (خاص)

في واحدة من أكثر الصور الإنسانية قسوة التي تختصر معاناة الأسرى الفلسطينيين حتى بعد تحررهم من سجون الاحتلال الإسرائيلي، أطلقت عائلة الأسير المحرر والمُبعد إلى مصر، الشيخ عبد الرحمن حسن عبد الفتاح صلاح، من مدينة جنين

بقلم: سماح عثمان
٣٠ أبريل ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
65 مشاهدة
الأسير الفلسطيني عبد الرحمن صلاح

الأسير الفلسطيني عبد الرحمن صلاح

في واحدة من أكثر الصور الإنسانية قسوة التي تختصر معاناة الأسرى الفلسطينيين حتى بعد تحررهم من سجون الاحتلال الإسرائيلي، أطلقت عائلة الأسير المحرر والمُبعد إلى مصر، الشيخ عبد الرحمن حسن عبد الفتاح صلاح، من مدينة جنين، نداءً مؤلمًا يختلط فيه الرجاء بالخوف، بعد تدهور حالته الصحية بصورة خطيرة داخل العناية المكثفة في مستشفى فلسطين بالقاهرة، بينما لا تزال عائلته محرومة من الوصول إليه أو الوقوف إلى جانبه في لحظاته الأصعب.

رشا عبد الرحمن، ابنة الشيخ الفلسطيني البالغ من العمر 72 عامًا، تحدثت بوجع بالغ عن معاناة العائلة التي تعيش كل لحظة بين القلق والانتظار، في ظل استمرار منعهم من السفر إلى مصر رغم المناشدات المتكررة، مؤكدة أن والدها يرقد في وضع صحي متدهور يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، بينما يقف أبناؤه وعائلته عاجزين خلف الحدود، لا يملكون سوى النداء.

WhatsApp-Image-2022-06-19-at-7.22.03-PM-768x768.jpeg
 

وتقول العائلة إن حرمانهم من رؤية والدهم في هذه المرحلة الحرجة لا يمثل مجرد إجراء إداري أو أمني، بل شكلًا من أشكال العقاب الإنساني القاسي، الذي يضاعف ألم الغربة والمرض، ويهدد بأن يُحرم الأب من رؤية أحبته، كما قد يحرم أبناءه من وداعه واحتضانه قبل فوات الأوان.

رحلة عمر بين الأسر والفقد

الشيخ عبد الرحمن صلاح ليس مجرد مريض فلسطيني يصارع وضعًا صحيًا حرجًا، بل هو واحد من آلاف الفلسطينيين الذين دفعتهم سنوات الاحتلال إلى مسارات طويلة من الألم المركب. فقد أمضى أكثر من عشرين عامًا داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، متنقلًا بين الاعتقال، والعقوبات، والقمع، والإهمال الطبي، في تجربة أنهكت جسده وأثقلت سنوات عمره.

وخلال سنوات أسره، تلقى الشيخ عبد الرحمن واحدة من أقسى الضربات الإنسانية حين استشهد نجله محمد عبد الرحمن صلاح، بينما كان الأب لا يزال خلف القضبان، محرومًا حتى من وداع ابنه الشهيد أو مشاركته لحظة الرحيل الأخيرة، في مشهد يلخص كيف لا يكتفي الاحتلال بسلب الحرية، بل يمتد إلى مصادرة أبسط حقوق الإنسان في الحزن والوداع.

وبحسب عائلته، فإن الشيخ عانى داخل السجون من أوضاع صحية متدهورة تفاقمت نتيجة الضرب المستمر، وسياسات القمع، والإهمال الطبي الذي طال آلاف الأسرى الفلسطينيين، قبل أن يتم الإفراج عنه من مستشفى الرملة في سيارة إسعاف مباشرة إلى مستشفى فلسطين في القاهرة، بعد إبعاده عن أرضه ووطنه ضمن صفقة تبادل مرتبطة بصفقة طوفان الأقصى.

تحرر بالجسد… واستمرار للمعاناة

ورغم أن الشيخ عبد الرحمن خرج من الأسر، إلا أن عائلته تؤكد أن معاناته لم تنتهِ، بل انتقلت من زنزانة السجن إلى سرير المرض، ومن جدران المعتقل إلى غربة قسرية بعيدًا عن جنين التي أفنى عمره مشتاقًا إليها.

فبدل أن يعيش لحظة الحرية بين أبنائه وأحفاده، وجد نفسه يصارع المرض في القاهرة، بينما تبقى عائلته رهينة تصاريح السفر والرفض الإسرائيلي والانتظار السياسي. وهنا تتجلى المأساة الفلسطينية بأكثر صورها وجعًا: حتى حين يتحرر الأسير، قد يبقى محاصرًا بالمرض، والإبعاد، والحرمان من دفء العائلة.

مناشدة إلى مصر وقطر والوسطاء

العائلة أكدت أنها ناشدت مؤسسات الأسرى، وقدمت شكاوى عبر جهات متعددة، إلا أن الردود حتى الآن لم تحقق مطلبهم الأساسي: السماح الفوري لأحد أفراد الأسرة على الأقل بالسفر إلى القاهرة.

وفي ظل ذلك، توجهت العائلة بنداء مباشر إلى الوسطاء في جمهورية مصر العربية، ودولة قطر، وكل الجهات التي لعبت دورًا في صفقات الإفراج عن الأسرى، مطالبة بتدخل إنساني عاجل يتيح لهم فرصة الوصول إلى والدهم، ومساندته، واحتضانه في مرضه، قبل أن يتحول إلى رقم جديد في سجل الآباء الذين رحلوا بعيدًا عن أسرهم دون وداع.

العائلة لا تطلب امتيازًا سياسيًا، ولا مطلبًا استثنائيًا، بل حقًا إنسانيًا بديهيًا: أن يجتمع الأب بأبنائه في لحظة مرضه القاسية، وأن لا يُترك وحيدًا بين الأجهزة الطبية، فيما تقف أسرته خلف المعابر تنتظر قرارًا قد يأتي متأخرًا.

ما بين الوعود والخذلان

بحسب العائلة، فإنهم تلقوا الكثير من الوعود، لكن شيئًا ملموسًا لم يتحقق حتى الآن على أرض الواقع. وهذا ما يضاعف شعورهم بالخوف، لأن الوقت في الحالات الحرجة لا يُقاس بالأيام فقط، بل بالأنفاس.

إن أكثر ما تخشاه الأسرة ليس فقط المرض، بل أن يتكرر السيناريو الفلسطيني الموجع ذاته: رحيل الأب قبل أن يتمكن أحباؤه من الوصول إليه، كما رحل كثيرون قبله بين السجن أو الغربة أو الحصار دون وداع أخير.

وجع فلسطيني يتكرر

قصة الشيخ عبد الرحمن صلاح ليست حالة فردية معزولة، بل فصل جديد من معاناة ممتدة يعيشها الأسرى الفلسطينيون وعائلاتهم، حيث يتحول الألم إلى إرث متوارث بين السجن، والاستشهاد، والإبعاد، والمرض، والحرمان من اللقاء.

في هذه اللحظة، لا تبحث عائلة الرجل السبعيني عن خطاب سياسي، ولا عن بيانات تضامن عابرة، بل عن استجابة إنسانية عاجلة تحفظ ما تبقى من الوقت، وتمنح أبًا مريضًا فرصة أن يرى أبناءه، وأن تمنح أبناءه فرصة أن يسندوا والدهم في أكثر لحظاته هشاشة.

نداء الأسرى لا يحتمل التأجيل

إن مطلب عائلة الشيخ عبد الرحمن واضح وبسيط: السماح العاجل لأحد أفراد أسرته، أو أكثر، بالسفر إلى القاهرة فورًا.

ففي عالم يُفترض أنه لا يزال يؤمن بحق الإنسان في العائلة والكرامة، لا ينبغي أن يتحول لقاء أب مريض بأبنائه إلى معركة بيروقراطية أو رهينة حسابات سياسية.

الوقت يمضي… والعائلة لا تريد وعدًا جديدًا، بل بابًا يُفتح قبل أن يُغلق العمر أبوابه إلى الأبد.

سنوات تحت وطأة الأسر 

بحسب نادي الأسير الفلسطيني فإن الشيخ عبد الرحمن صلاح (72  عاماً) من مدينة جنين، من الأسرى المحررين في صفقة “وفاء الأحرار” المُعاد اعتقالهم، اُعتقل لأول مرة بتاريخ 23 يونيو 2002، وحكم عليه بالسجن (25) عاماً، وهو أب لسبعة أبناء وبنات من بينهم ابنه الشهيد محمد والذي اُستشهد خلال العام 2003.
أفرج عنه ضمن صفقة “وفاء الأحرار” خلال العام 2011، وفرضت عليه الإقامة الجبرية في جنين، وأعاد الاحتلال اعتقاله بتاريخ 18 يونيو 2014.
وخلال فترة الإفراج عنه تمكّن من حضور زواج ابنته نداء، وحضر ولادة اثنين من أحفاده، وأعاد الاحتلال اعتقاله بتاريخ 18 يونيو 2014، حيث تفاقم وضعه الصحي بعد اعتقاله وأُصيب بفقدان جزئي للنظر خلال اعتقاله الثاني، بالإضافة إلى مشاكل صحية أخرى منها أمراض السكري والضغط المزمنين.

الأسرى الأسرى الأسرى الأسرى

 

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

قبل فوات الأوان: عائلة أسير فلسطيني محرر تناشد لقاءه في القاهرة وهو يصارع المرض وحيدًا (خاص) - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°