كشفت مصادر مطلعة على مفاوضات القاهرة الجارية بشأن تطبيق اتفاق غزة عن وجود أزمة حادة تهدد المسار الدبلوماسي بأكمله. فقد فشلت الأطراف في الاتفاق على أي من الملفات الرئيسية المطروحة على طاولة المفاوضات. وهذه الملفات تشمل: التزام الاحتلال بشروط المرحلة الأولى، خاصة وقف الاغتيالات والقصف. والانسحاب إلى الخط المتفق عليه، وسلاح حركة حماس، ودخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة.
ووصل وفد حركة حماس والممثل الأعلى لمجلس السلام العالمي نيكولاي ملادينوف إلى القاهرة يوم الثلاثاء الماضي. وقد استؤنفت المفاوضات حول الورقة الأخيرة التي قدمها ملادينوف كأساس للحوار. وقدمت حركة حماس رداً وافقت فيه على ورقة ملادينوف المؤلفة من 15 بنداً. وهي تمثل خريطة طريق لتطبيق الاتفاق، لكنها اشترطت أن تكون هذه الورقة "إطاراً للتفاوض" وليس للتطبيق الحرفي والصارم.
وجاء في رد الحركة: "نحن مستعدون للانخراط في مفاوضات جادة حول جميع النقاط الواردة في خارطة الطريق". وذلك بما يحقق التطبيق الأمثل لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. والتي اشتملت على تطبيق وقف إطلاق النار بين الطرفين، ووضع حد للأزمة الإنسانية. إلى جانب الانسحاب الكامل لقوات الاحتلال من قطاع غزة، وإعادة الإعمار، ودخول القوات الدولية. وكذلك التعامل مع موضوع السلاح، ونقل حكم قطاع غزة إلى اللجنة الوطنية بكافة الصلاحيات.
تطبيق اتفاق غزة
شددت حركة حماس في المفاوضات مع ملادينوف والوسطاء على ضرورة أن تطبق إسرائيل المرحلة الأولى من الاتفاق بشكل كامل قبل الشروع في أي نقاش حول المرحلة الثانية. وتتمسك الحركة بشكل خاص بوقف القصف والاغتيالات الذي تتعرض له غزة يومياً. ولفتت إلى أن عدد المواطنين الذين استشهدوا في هذه العمليات منذ وقف الحرب في 11 أكتوبر الماضي، حتى اليوم، زاد عن 800 مواطن. هذا الرقم البشع يؤكد أن الاحتلال لم يلتزم بروح الاتفاق ولا بنصوصه.
وطالبت حماس أيضاً بتطبيق البنود الإنسانية الأخرى المتعلقة بالمرحلة الأولى. وأبرزها إدخال 600 شاحنة يومياً من السلع والمواد الغذائية والدوائية إلى القطاع. كما طالبت بالانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى "الخط الأصفر" المتفق عليه سابقاً. لكن مصادر مطلعة أكدت أن ملادينوف رد على مطالب حماس هذه بالقول إن إسرائيل ترفض الانسحاب إلى الخط الأصفر. وهي تشترط لذلك موافقة الحركة على الدخول في المرحلة الثانية التي تتضمن موضوع نزع السلاح.
وقالت مصادر في الحركة لـ"الشرق"، إن تجربة وقف إطلاق النار بينت بوضوح للجميع، خاصة الوسطاء، أن إسرائيل لا تلتزم بتطبيق ما عليها من التزامات. كما أثبتت أن لا أحد قادر على إلزامها بذلك، لا عربياً ولا دولياً. وأكد أحد المسؤولين أن "حماس طبقت مئة في المئة من المطلوب منها في المرحلة الأولى". لكن إسرائيل تواصل القصف والقتل دون رادع أو محاسبة، لذلك لن تتحرك حماس في المرحلة الثانية قبل أن ترى تطبيقاً كاملاً للمرحلة الأولى.
السلاح واللجنة
رفضت حركة حماس طلب أمريكا والاحتلال نزع السلاح بشكل كامل كشرط مسبق للمرحلة الثانية. لكنها وافقت على معالجة موضوع السلاح ضمن "إطار وطني" و"وضعه في سياق الترتيبات الأمنية اللازمة لتحقيق وقف إطلاق نار طويلة الأمد على قاعدة تحقيق الأمن للطرفين". وقد عبرت الحركة عن استعدادها لمناقشة ترتيبات أمنية متبادلة تحمي الجميع، لكن هذا الموقف قوبل بالرفض من الجانبين الأمريكي والإسرائيلي. مما أدى إلى تعميق الأزمة.
وعرضت حماس في المقابل دخول اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة بشكل فوري. وأبدت استعدادها لتسليم اللجنة كافة المؤسسات الحكومية، بما فيها مؤسسات إنفاذ القانون من شرطة وأمن. لكن مصادر في اللجنة قالت إنه دون الاتفاق على كافة الترتيبات المتعلقة بعملها بين الأطراف، فإنها لن تكون قادرة على العمل الفعلي على الأرض. وتساءل أحد المصادر: "كيف يمكن للجنة أن تعمل في المناطق التي تسيطر عليها حركة حماس دون الاتفاق على كافة التفاصيل المتعلقة بعمل الشرطة والسلاح؟"
وأضاف المصدر نفسه: "وكيف لها أن تعمل في المناطق التي يحتلها الجيش الإسرائيلي دون أن تخضع لهذا الجيش؟". وأكد أن عدم إزالة هذه العقبات الكبيرة سيبقي اللجنة عالقة في القاهرة، ولن تتمكن من الانتقال إلى غزة لأداء مهامها. وتشكلت اللجنة التي يرأسها الدكتور علي شعث في يناير الماضي في القاهرة. وهي بتكليف من مجلس السلام العالمي الذي يرأسه ترامب لمدة عامين، وتعمل تحت إشراف نيكولاي ملادينوف.
غزة وسيناريوهات قاتمة
وحسب مصادر مطلعة، فإن الأزمة الحالية تضع قطاع غزة والجهود الدبلوماسية أمام ثلاثة سيناريوهات قاتمة. السيناريو الأول هو مواصلة التفاوض دون اتفاق حقيقي، مع بقاء الوضع القائم القاسي في قطاع غزة على ما هو عليه. فهناك 1.4 مليون مواطن يعيشون في خيام لا تتوفر فيها أدنى الشروط الصحية والإنسانية. وتسيطر إسرائيل على أكثر من نصف مساحة القطاع، وتفرض قيوداً خانقة على كل ما يدخل إليه من سلع ومواد، وتواصل عمليات الاغتيال والقصف اليومي.
أما السيناريو الثاني، فهو العودة إلى حرب شاملة يشنها الاحتلال الإسرائيلي على القطاع. وهذا الاحتمال يزداد خطورة خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات العامة في إسرائيل والمقررة في أكتوبر المقبل. فالقادة الإسرائيليون قد يستغلون التصعيد العسكري لكسب أصوات الناخبين. والسيناريو الثالث يتلخص في إعلان فشل المفاوضات بشكل رسمي، ثم قيام إسرائيل وأمريكا بخطوات أحادية الجانب. مثل بناء مدن جديدة خارج المناطق التي تسيطر عليها حماس، مع مواصلة القيود والقصف على المناطق التي تسيطر عليها الحركة، مما يعني استمرار المعاناة وتوسع رقعة الاحتلال.







