20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

كيف تحول الحصار البحري إلى أزمة اقتصادية لترامب؟

في الوقت الذي يسوق فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لما يسميه "العبقرية" في إدارة الأزمات الدولية، يبدو أن مياهه الراكدة في الشرق الأوسط

بقلم: محمد خميس
٣٠ أبريل ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
18 مشاهدة
ترامب

ترامب

في الوقت الذي يسوق فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لما يسميه "العبقرية" في إدارة الأزمات الدولية، يبدو أن مياهه الراكدة في الشرق الأوسط بدأت تلاطم صخوراً إيرانية صلبة لم تكن في الحسبان؛ فالحصار البحري الذي يراهن عليه ترامب كوسيلة لتركيع الجمهورية الإسلامية، لا يبدو في حقيقته سوى "اختبار لنظرية فاشلة" لم تثبت صحتها تاريخياً. 

تقرير شبكة CNN الأمريكية الأخير، وضع الإصبع على الجرح النازف في استراتيجية واشنطن، مؤكداً أن الفرضية البسيطة التي تقوم عليها هذه الحرب  وهي خنق النفط الإيراني لجر النظام إلى طاولة المفاوضات  قد تتحول إلى شرارة تحرق الاقتصاد الأمريكي نفسه قبل أن تلامس أسوار طهران، خاصة مع تحول مضيق هرمز إلى أداة ردع إيرانية أفقدت واشنطن نفوذها الاقتصادي المزعوم.

إن الثقة المفرطة التي يبديها ترامب بوصفه للاقتصاد الإيراني بـ "الميت"، تتجاهل عمداً حقيقة أن الشعوب التي خضعت لعقود من الحصار طورت آليات صمود وتكيف لا تخضع للمنطق الرأسمالي الغربي. وبينما يرى المسؤولون في واشنطن أن التضخم في طهران هو مؤشر نجاح، يغفلون عن أن هذا الضغط لا يولد "انهياراً مجتمعياً" كما يروجون، بل يولد تلاحماً وطنياً ضد "العدو الخارجي" الذي يسعى لتجويع المدنيين. 

إن رهان ترامب على تمديد الحصار للهروب من الخسائر البشرية في القوات الأمريكية، يعكس حالة من الضعف العسكري المستتر، حيث يخشى البنتاجون الانزلاق في مواجهة برية مباشرة يعرف مسبقاً أن كلفته ستكون كارثية على مستقبل الولايات المتحدة في المنطقة.

ضريبة الحصار: عندما يدفع الناخب الأمريكي ثمن مغامرات ترامب

السؤال الجوهري الذي يطرحه المحللون اليوم هو: إلى متى سيتحمل المواطن الأمريكي وتجار التجزئة في الولايات المتحدة تكاليف هذه الحرب الاقتصادية؟ فالأرقام لا تكذب، وأسعار البنزين التي تخطت حاجز الـ 4 دولارات للغالون الواحد بدأت تثير استياءً واسعاً في أوساط الناخبين، لا سيما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.

 إن استراتيجية ترامب القائمة على "الضغط الأقصى" بدأت ترتد عكسياً، حيث أدى اضطراب إمدادات الطاقة العالمية إلى موجة تضخم تضرب الأسواق الأمريكية، مما يجعل من الحصار سلاحاً يرتد إلى صدر مطلقه. فبينما تحافظ إيران على قدراتها الاستراتيجية وتتحكم في ممرات الملاحة الحيوية، يجد ترامب نفسه مضطراً لتبرير تدهور الاقتصاد الداخلي أمام جمهور لم يعد يقتنع بوعود "العظمة" الزائفة.

علاوة على ذلك، يبرز السؤال الاستخباراتي الذي يشكك في مصداقية التقارير التي ترفع للبيت الأبيض؛ فهناك ميل تاريخي مشبوه في واشنطن لمحاولة "أمركة" ردود الأفعال في الشرق الأوسط. فالمجتمع الإيراني، بتركيبته الدينية والثقافية المتجذرة، لا يتفاعل مع الأزمات الاقتصادية وفقاً للمقاييس الديمقراطية الغربية، والاعتقاد بأن "خنق الاحتياجات الأساسية" سيؤدي لثورة ضد النظام هو وهم سقط فيه رؤساء أمريكيون سابقون.

 إن قادة طهران، الذين نجحوا في تحويل "أزمة هرمز" إلى أزمة عالمية، أثبتوا أنهم يمتلكون زمام المبادرة، وأن قدرتهم على المناورة الاقتصادية والسياسية تفوق بكثير قدرة الإدارة الأمريكية على تحمل تبعات حرب طويلة الأمد بلا أفق واضح.

نهاية الهيمنة: كيف أعادت طهران رسم قواعد اللعبة البحرية؟

إن إعجاب ترامب بخطة الحصار ووصفها بالعبقرية يعكس رغبة يائسة في استعادة النفوذ المتآكل؛ فإيران بقرارها الجريء في مضيق هرمز لم تعطل الملاحة فحسب، بل وجهت ضربة قاضية لأسطورة "السيطرة الأمريكية المطلقة" على البحار.

 الحصار الأمريكي اليوم ليس سوى محاولة لترميم صورة مهتزة لقطب أوحد يرى نفوذه يتقلص أمام قوى إقليمية صاعدة لا تخشى المواجهة، وبينما يحث ترامب مساعديه على تمديد الحصار، فإنه في الواقع يمدد فترة الاستنزاف لموارده العسكرية والمالية، في حين تواصل إيران بناء تحالفات دولية بديلة وتطوير اقتصاد مقاوم يعتمد على الذات، مما يجعل من أهداف واشنطن "النووية والصاروخية" بعيدة المنال أكثر من أي وقت مضى.

يظهر بوضوح أن الحرب الاقتصادية التي يشنها ترامب ضد إيران تفتقر إلى المنطق الاستراتيجي والهدف الواضح. إنها صراع إرادات أثبتت فيه طهران أنها قادرة على تحويل المحنة إلى منحة، وأن رهان واشنطن على الانهيار الداخلي هو مجرد أضغاث أحلام تبددها حقيقة الصمود الميداني.

 الحصار البحري، بدلاً من أن يكون وسيلة للحل، أصبح هو المشكلة التي تؤرق البيت الأبيض وتستنزف هيبة الولايات المتحدة عالمياً.

 ومع استمرار ارتفاع الأسعار وتزايد الضغوط الداخلية، قد يجد ترامب نفسه مرغماً على التراجع، ليدرك العالم أجمع أن "العبقرية" الحقيقية كانت في قدرة إيران على كسر الحصار وتحويله إلى هزيمة سياسية واقتصادية لخصومها.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال