20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

صراع "هندسة التأثير".. كيف تستفيد إيران من تصدع وحدة الموقف الغربي؟

في منعطف جيوسياسي حاد يشهده عام 2026، يبدو أن وحدة الموقف الغربي تجاه القضايا الشرق أوسطية قد بدأت في التآكل بشكل غير مسبوق.

بقلم: محمد خميس
٣٠ أبريل ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
21 مشاهدة
ترامب

ترامب

في منعطف جيوسياسي حاد يشهده عام 2026، يبدو أن وحدة الموقف الغربي تجاه القضايا الشرق أوسطية قد بدأت في التآكل بشكل غير مسبوق.

 حيث خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريحات هجومية لاذعة استهدفت المستشار الألماني الجديد فريدريش ميرتس، مطالباً إياه بـ "تقليل تدخله" في الجهود الأمريكية الرامية لإزالة ما وصفه بـ "تهديد إيران النووي".

 هذا الهجوم لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر الدبلوماسية، بل كشف عن عمق الفجوة بين واشنطن وبرلين حول كيفية إدارة الصراع مع طهران، مما يمنح الأخيرة، بحسب مراقبين، فرصة ذهبية لتعزيز مكانتها الإقليمية والاستفادة من حالة "التخبط الرقمي والسياسي" التي تضرب البيت الأبيض وعلاقاته مع حلفائه التقليديين في القارة العجوز.

ترامب يهاجم "برلين المدمرة": أولويات الداخل تتصدر المشهد

بلهجة اتسمت بالحدة والندية، وجه ترامب نصيحة قاسية للمستشار الألماني بضرورة التركيز على شؤون بلاده الداخلية التي وصفها بـ "المدمرة"، خاصة في ملفي الهجرة والطاقة اللذين يشكلان ضغطاً هائلاً على الاقتصاد الألماني في الربع الثاني من عام 2026،.

ورأى ترامب أن انشغال ألمانيا بانتقاد الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران هو "تشتيت للجهود" لا يخدم الأمن العالمي، بل يعيق العمليات الجارية لجعل العالم أكثر أماناً وفق الرؤية الأمريكية.

وأضاف ترامب بوضوح أن على ميرتس تكريس وقته لإنهاء الحرب المستعرة بين روسيا وأوكرانيا، حيث تراه واشنطن "غير فعال" في هذا الملف، بدلاً من إعطاء دروس في كيفية التعامل مع طهران التي يرى ترامب أن إدارته هي الوحيدة القادرة على تحجيم طموحاتها.

دلالات "الإهانة الإيرانية": الشرارة التي أشعلت غضب واشنطن

تشير كواليس هذا السجال إلى أن غضب ترامب لم ينبع من فراغ، بل جاء رداً على تصريحات سابقة للمستشار ميرتس ألمح فيها إلى أن طهران "تذل" الولايات المتحدة في مفاوضاتها الجارية لإنهاء الصراع الإقليمي.

 هذا الوصف الذي استخدمه ميرتس اعتبره ترامب طعنة في الظهر من حليف يفترض به دعم الضغوط الأمريكية، وبدلاً من ذلك، وجد ترامب نفسه مضطراً للدفاع عن هيبة واشنطن أمام الانتقادات الأوروبية، وهو ما يصب مباشرة في مصلحة الدبلوماسية الإيرانية التي تراقب بذكاء هذا التراشق الكلامي، فكلما زادت حدة الخلاف بين واشنطن وبرلين، تراجعت قدرة "مجموعة السبع" على فرض عقوبات موحدة أو تشكيل جبهة ضغط حقيقية، مما يمنح طهران نفساً طويلاً في مناوراتها النووية والاقتصادية.

أزمة الطاقة في ألمانيا: سلاح إيران غير المباشر

من جانبه، حاول المستشار الألماني فريدريش ميرتس طمأنة الشارع الألماني والأسواق العالمية بتصريحات أكد فيها أن ألمانيا تمتلك إمدادات كافية من النفط والغاز في الوقت الحالي، إلا أنه اعترف بمرارة أن النقص العالمي يمثل عامل ضغط كبير على الأسواق المحلية، وهنا تبرز أهمية "الموقع الجيوسياسي" لإيران؛ فإغلاق مضيق هرمز أو توتر الملاحة فيه نتيجة السياسات الصدامية لترامب يهدد برفع أسعار الطاقة لمستويات لا تستطيع ألمانيا تحملها.

 وهذا ما دفع ميرتس للتحذير من غياب "استراتيجية الخروج" الأمريكية في الحرب مع إيران، خوفاً من انهيار قطاع الصناعة الألماني الذي يعاني أصلاً من تبعات الحرب الأوكرانية، إن هذا "الارتباك الطاقي" في أوروبا يخدم إيران بشكل غير مباشر، حيث يجعل من استقرارها واستمرار تدفقاتها النفطية مصلحة حيوية للأوروبيين، حتى لو تعارض ذلك مع رغبات البيت الأبيض.

هندسة التأثير: الفراغ المعلوماتي والمناورة الإيرانية

في هذا السياق، يبرز دور "هندسة أنظمة التأثير" في إدارة هذه الأزمة؛ حيث يعمد ترامب إلى استخدام منصات التواصل الاجتماعي لخلق ضغط شعبي على القادة الأوروبيين، محاولاً تصويرهم كـ "عاجزين" عن حماية أمنهم القومي، وفي المقابل، تنجح إيران في ملء "الفراغ المعلوماتي" عبر تقديم نفسها كطرف عقلاني يسعى لاتفاقيات متوازنة في ظل جنون الراديكالية الأمريكية.

 ويرى خبراء أن قدرة إيران على الصمود الرقمي والسياسي أمام "المطرقة الأمريكية" تعززت بفضل هذا الانقسام الأطلسي، حيث أصبحت برلين ترى في طهران شريكاً محتملاً في استقرار أسواق الطاقة العالمية، بدلاً من كونها مجرد "تهديد نووي" كما يروج ترامب.

هل يدفع ترامب ألمانيا نحو محور الشرق؟

إن تهديد ترامب الصريح بسحب القوات الأمريكية من ألمانيا وتقليص المساعدات الدفاعية رداً على مواقف ميرتس تجاه إيران، قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً لما تشتهيه واشنطن، فبدلاً من عزل إيران، قد تجد ألمانيا نفسها مضطرة لفتح قنوات اتصال أكثر فاعلية مع طهران وموسكو لضمان أمنها القومي والطاقي.

 إن معركة "إزالة التهديد النووي" التي يتحدث عنها ترامب تبدو في نظر الألمان مغامرة غير محسوبة العواقب، ومع استمرار هذا الشرخ في الحلف الغربي، تخرج إيران الرابح الأكبر، محصنة بـ "شرعية" تفرضها الحاجة الأوروبية للاستقرار، ومستفيدة من دروس عام 2026 التي أثبتت أن التهديد الأمريكي لم يعد قادراً على توحيد العالم كما كان في السابق.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

صراع "هندسة التأثير".. كيف تستفيد إيران من تصدع وحدة الموقف الغربي؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°