أحدث رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم جبريل الرجوب، يوم الخميس الموافق 30 أبريل 2026، ضجة سياسية وإعلامية واسعة داخل أروقة الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، عندما رفض بشكل قاطع ومبدئي مصافحة ممثل الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم خلال الجمعية العمومية الـ76 للفيفا المنعقدة في مدينة فانكوفر الكندية.
وجاء هذا الرفض العلني بعد أن استدعاه رئيس "فيفا" جياني إنفانتينو لمصافحة نائب رئيس الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم باسم الشيخ سليمان، في مشهد وصفه المراقبون بأنه محاولة مكشوفة من إنفانتينو "لتبييض صفحة إسرائيل" وتطبيع انتهاكاتها الجسيمة بحجة البروتوكولات الدبلوماسية.
وكتب الرجوب على منصة فيسبوك، ناشراً فيديو للواقعة، معلقاً: "من على منصة اجتماع FIFA، اتخذنا موقفًا مبدئيًا واضحًا برفض مصافحة ممثل الاتحاد الإسرائيلي"، وأضاف أن هذا التصرف يأتي "تأكيدًا على أن الكرامة الوطنية لا تخضع للاعتبارات البروتوكولية، واحترامًا لقدسية دماء أبناء شعبنا، بمن فيهم رياضيونا".
ويكتسب هذا الموقف الفلسطيني الصلب أهمية استثنائية، ليس فقط لأنه جاء في أعلى منصة رياضية دولية، بل أيضاً لأنه كشف عن ازدواجية المعايير الصارخة التي يمارسها الفيفا تحت قيادة إنفانتينو، الذي طالما اتُهم بالتغاضي عن جرائم الاحتلال الإسرائيلي رغم مطالبات عشرات الدول باستبعاد إسرائيل، تماماً كما تم استبعاد روسيا سابقاً بسبب حربها على أوكرانيا.
ويرى المحللون الرياضيون والسياسيون أن مشهد إصرار إنفانتينو على دفع الرجوب لمصافحة ممثل الاحتلال كان مقصوداً ومخططاً له مسبقاً، بهدف ترميم صورة الفيفا المتضررة بعد اتهامات متتالية بالتواطؤ مع انتهاكات إسرائيل الجسيمة، وتقديم صورة زائفة عن "حوار طبيعي" بين طرفين أحدهما يرتكب إبادة جماعية بحق أكثر من عشرين ألف طفل فلسطيني قتلوا جوعاً وبرداً وقصفاً.
لماذا أصر إنفانتينو على المصافحة؟
في قراءة تحليلية للمشهد الذي علق عليه الباحث الفلسطيني علي أبو رزق عبر منصة فيسبوك، فإن "الإصرار العجيب عند رئيس الفيفا مقصود بذاته لتبييض صفحة إسرائيل، وأيضًا، تبييض صفحته هو بشكل شخصي بعد اتهامات بالجملة لغضه الطرف عن جرائم إسرائيل رغم مطالبات عشرات الدول باستبعادها، كما استبعدت روسيا من قبل".
وتكشف هذه القراءة عمق الأزمة الأخلاقية التي يعيشها الاتحاد الدولي، حيث يصر رئيسه على فرض مشهد تطبيعي صوري بين الفلسطينيين والإسرائيليين، متجاهلاً تماماً حقيقة أن الطرف الإسرائيلي ليس دولة طبيعية، بل كيان احتلال ارتكب وما زال يرتكب جرائم إبادة جماعية موثقة دولياً.
ويصف الباحث أبو رزق المشهد بأنه "شديد النفاق والازدواجية والاسترخاص"، وكأن الطرف الإسرائيلي "لم ترتكب جريمة إبادة بحق عشرين ألف طفلاً، قتلتهم جوعًا حتى الموت، وبردًا حتى الموت، وحرقًا حتى الموت". وهذا الوصف الدقيق يعكس الفجوة الصارخة بين الخطاب الرسمي للفيفا عن "قيم الرياضة" و"الروح الرياضية"، وبين الواقع الميداني الذي يعيشه الرياضيون الفلسطينيون الذين قتل منهم المئات، ودُمرت ملاعبهم ومنشآتهم الرياضية، وحُرموا من أبسط حقوقهم في ممارسة الرياضة والسفر والمشاركة في المحافل الدولية.
ولم يكتفِ إنفانتينو بدفع الرجوب نحو المصافحة، بل أصر على استدعائه من جديد بعد أن انسحب، في محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من صورته الشخصية وصورة الفيفا أمام الرأي العام العالمي.
خطوة قانونية لكشف التواطؤ المؤسسي
لم يقتصر رد الرجوب على رفض المصافحة فقط، بل أعلن من على منصة الجمعية العمومية أن الاتحاد الفلسطيني يتجه إلى محكمة التحكيم الرياضي (كاس) للطعن في قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم عدم اتخاذ إجراءات حاسمة بشأن الانتهاكات المرتبطة بالأندية الإسرائيلية المقامة على أراضي المستوطنات في الضفة الغربية.
وأوضح الرجوب أن الاتحاد الفلسطيني قدّم استئنافاً رسمياً بتاريخ 22 أبريل 2026، أي قبل أسبوع واحد فقط من انعقاد الجمعية العمومية، في خطوة وصفها بأنها تهدف إلى "تصحيح المسار" وضمان تطبيق القوانين على جميع الاتحادات الأعضاء دون استثناء أو ازدواجية في المعايير. وأكد الرجوب أن التحرك القانوني لا يستهدف المواجهة أو التصعيد، بل يندرج في إطار الالتزام الكامل بالإجراءات القانونية المتاحة، مشدداً على أن الاتحاد الفلسطيني "لم يطلب سوى تطبيق القواعد بشكل متساوٍ دون محاباة سياسية أو ازدواجية في المعايير".
ويستند الاستئناف الفلسطيني إلى وقائع ملموسة وموثقة، حيث تشير التقارير إلى أن أندية إسرائيلية تواصل المشاركة في مسابقات ينظمها الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم داخل أراضٍ تابعة للاتحاد الفلسطيني بحكم القانون الدولي، وذلك دون الحصول على موافقته، وهو ما يمثل مخالفة صريحة وواضحة للوائح الفيفا وقوانينه، ولا سيما ما يتعلق بسلامة أراضي الاتحادات الأعضاء ووحدة وسلامة أراضيها.
وأضاف الرجوب، في كلمته أمام الجمعية العمومية، أن لجنة الانضباط في الفيفا كانت قد خلصت في تقاريرها السابقة إلى وجود "انتهاكات جسيمة" تتعارض بشكل مباشر مع مبادئ المساواة وعدم التمييز، واصفاً ما يجري بأنه "فشل نظامي وتواطؤ مؤسسي"، مستنداً إلى توصيفات صادرة عن جهات مختصة داخل الاتحاد الدولي نفسه وليس مجرد اتهامات فلسطينية.
تناقض الفيفا
يكشف الموقف الفلسطيني تفاصيل جديدة عن التناقض الصارخ في سياسات الفيفا، حيث لفت الرجوب إلى أن مجلس الفيفا كان قد قرر في 19 مارس الماضي (أي قبل أقل من شهرين) عدم اتخاذ أي قرار جوهري بشأن المقترح الفلسطيني، رغم أن نفس المجلس كان قد قرر تغريم الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم بموجب مادة التمييز في لوائح الفيفا.
ويرى المراقبون القانونيون أن هذا الموقف يعكس "تناقضاً فاضحاً بين الإقرار بوجود انتهاكات جسيمة، وبين الغياب التام للإجراءات الرادعة التي تتناسب مع حجم وخطورة هذه الانتهاكات". فكيف يمكن لمجلس الفيفا أن يقر بوجود انتهاكات تستوجب تغريم الاتحاد الإسرائيلي، وفي نفس الوقت يرفض اتخاذ أي إجراء حاسم يمنع استمرار هذه الانتهاكات ويتيح الفرصة للاتحاد الإسرائيلي لمواصلة نشاطاته المخالفة للقوانين؟
وأوضح الرجوب أن الواقع الميداني لم يشهد أي تغيير يذكر منذ صدور قرار المجلس في مارس، حيث لا تزال أندية المستوطنات الإسرائيلية تشارك في المسابقات الرياضية الرسمية على أراضٍ فلسطينية محتلة، إلى جانب استمرار ما وصفه بـ"سياسات التمييز العنصرية" داخل منظومة كرة القدم الإسرائيلية ذاتها، والتي تشمل تنظيم أنشطة رياضية "مخصصة للإسرائيليين فقط" وممنوع على الفلسطينيين المشاركة فيها، وذلك وفق تقارير حقوقية موثقة ومحايدة صادرة عن منظمات دولية معترف بها.
ويشدد الرجوب على أن القضية الفلسطينية في الفيفا لا تتعلق إطلاقاً بنزاع سياسي أو ترسيم حدود، بل تتعلق حصراً بمبدأ تطبيق القوانين واللوائح على الجميع دون تمييز أو محاباة، مشيراً إلى أن السماح للاتحاد الإسرائيلي بإقامة مسابقاته الرياضية على أرض اتحاد عضو آخر (الاتحاد الفلسطيني) دون الحصول على موافقته "يشكل سابقة خطيرة جداً" قد تمتد آثارها وتداعياتها إلى اتحادات رياضية أخرى حول العالم في المستقبل.
استبعاد روسيا والتغاضي عن إسرائيل
يثير الباحثون والمنظمات الحقوقية علامات استفهام كبرى حول الأسباب الحقيقية التي تجعل الفيفا يتعامل بازدواجية معيارية صارخة بين الحالة الروسية والحالة الإسرائيلية. فبعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، لم يتردد الفيفا لحظة في استبعاد المنتخب الروسي والأندية الروسية من جميع مسابقاته ومنافساته الدولية، دون أي نقاش مطول أو مماطلة، بحجة احترام قيم السلام ورفض الحرب والانتهاكات الجسيمة.
لكن عندما يتعلق الأمر بإسرائيل التي ترتكب جرائم إبادة جماعية موثقة من قبل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، و تدمر البنية التحتية الرياضية الفلسطينية بالكامل، وتقتل الرياضيين الفلسطينيين، وتمنع الرياضيين الفلسطينيين من السفر والمشاركة في المحافل الدولية، نجد الفيفا يتلكأ ويماطل ويتذرع بالبروتوكولات والإجراءات ويتحدث عن "الحوار" و"التسوية".
ويرى المحللون أن هذا التناقض الصارخ يعكس ضعفاً أخلاقياً كبيراً في بنية الفيفا تحت قيادة إنفانتينو، الذي يسعى بشدة إلى تجنب أي مواجهة مع إسرائيل أو مع اللوبي الإسرائيلي والدولي المؤيد لها داخل المؤسسات الرياضية. كما يعكس هذا التناقض خضوع الرياضة الدولية للاعتبارات السياسية، حيث يتم معاقبة روسيا لأن الغرب يعتبرها عدواً، بينما تتم حماية إسرائيل لأنها حليف غربي مهم رغم كل الجرائم التي ترتكبها.
وهذه الازدواجية، كما يرى الخبراء، قد تهدد مستقبل الفيفا كمؤسسة محايدة ونزيهة، وقد تدفع العديد من الاتحادات الأعضاء إلى التشكك في مصداقية القرارات الصادرة عنه والطعن فيها أمام المحاكم الدولية.
كرامة فلسطين تفضح عورة الفيفا
بهذا الموقف البطولي والصامد لجبريل الرجوب، الذي فضح رفض المصافحة أمام العالم أجمع، يكون الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم قد وضع الاتحاد الدولي (فيفا) ورئيسه جياني إنفانتينو أمام امتحان أخلاقي حقيقي: هل سيواصل الفيفا سياساته المنافقة والازدواجية في المعايير، أم سيتخذ قراراً تاريخياً باستبعاد إسرائيل ومنع أندية المستوطنات من المشاركة تحت مظلته كما فعل مع روسيا؟
وبينما ينتظر العالم بأسره رد فعل الفيفا على الاستئناف الفلسطيني المقدم إلى محكمة كاس، يبقى المؤكد أن كرامة الشعب الفلسطيني ورياضيه ليست للبيع، وأن أي محاولة "لتبييض صفحة إسرائيل" أو إنفانتينو الشخصية ستفشل أمام إصرار الفلسطينيين على كشف الحقيقة أينما كانت. ويبقى السؤال الأكبر الذي سيحدد مستقبل الفيفا: هل سينتصر القانون على السياسة، أم ستظل الرياضة رهينة المصالح والتواطؤ الدولي؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.








