نشرت "قوة رادع" التابعة لأمن المقاومة في قطاع غزة، خلال ساعات الليلة الماضية، مشاهد مصورة وصفتها بأنها توثق بالتفصيل عملية أمنية دقيقية حملت الاسم الرمزي "كمين الهابي سيتي"، استهدفت مجموعة من العصابات المتعاونة مع الاحتلال الإسرائيلي في منطقة جنوب مدينة خانيونس، وذلك يوم الأربعاء الماضي الموافق 29 أبريل 2026.
وأظهرت المشاهد التي تم تداولها على نطاق واسع في وسائل الإعلام المحلية ومنصات التواصل الاجتماعي مراحل متعددة من العملية، بدءاً من مرحلة الرصد والمراقبة والاستدراج، مروراً بلحظات الاشتباك المباشر وإطلاق النار المركّز، وانتهاءً بحالة من الارتباك والفوضى انتابت أفراد المجموعة المستهدفة التي فوجئت بأنها وقعت في فخ محكم.
وأفاد بيان صادر عن "قوة رادع" أن الكمين نفذ بعد عملية رصد وجمع استخباراتي مكثف لتحركات المجموعة المستهدفة، حيث تم تتبع تحركاتها أثناء تقدمها من المنطقة المعروفة بـ"المنطقة الصفراء" (وهي مناطق قريبة من الشريط الحدودي التي تنتشر فيها عناصر الاحتلال وآلياته)، وبعد التأكد من مسارها وهويتها، جرى استدراجها بمهارة إلى موقع الكمين المعد مسبقاً.
رادع الجهاز الأمني للمقاومة ينشر مشاهد من كمين "الهابي سنتر" جنوب خانيونس يوم الأربعاء الماضي والذي أدى لمقتل وإصابة عدد من عملاء الاحتلال. pic.twitter.com/EBidsKMGLe
— yaseenizeddeen (@yaseenizeddeen) May 1, 2026
وأضاف البيان أن الاشتباك المسلح الذي أعقب عملية الاستدراج كان عنيفاً لكنه قصير، وأسفر عن إصابات محققة ومؤكدة في صفوف المجموعة بين قتيل وجريح، في ضربة استباقية أفشلت مخططاً كانت هذه المجموعة تخطط لتنفيذه داخل القطاع. وأكدت المصادر الأمنية أن العملية كانت نموذجاً للدقة والسرعة، إذ تم إنهاء المهمة قبل أن تتمكن المجموعة من الرد أو الاستغاثة بقوات الاحتلال المنتشرة قرب الشريط الحدودي.
تدخل الاحتلال
في تطور كان متوقعاً، تدخلت قوات الاحتلال الإسرائيلي بشكل فوري وعنيف لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من عناصر المجموعة المستهدفة، حيث شن طيران الاحتلال والمدفعية الإسرائيلية قصفاً مكثفاً وعشوائياً على محيط موقع العملية برمته.
وأوضح بيان "قوة رادع" أن هذا القصف المكثف، رغم قوته وشدته، لم يمنع عناصر القوة من إكمال مهمتهم بنجاح، لكنه أدى إلى استشهاد أحد مقاتلي القوة الذين كانوا يشاركون في تنفيذ الكمين، قبل أن تنجح بقية العناصر في الانسحاب بسلام وأمان من موقع العملية بعد انتهاء المهمة. ويشير المراقبون إلى أن هذا التدخل الإسرائيلي المباشر والمكثف يؤكد مرة أخرى حجم التنسيق الأمني والعملياتي بين العصابات العميلة وقوات الاحتلال، التي لا تتوانى لحظة عن تقديم أي دعم لعملائها، حتى لو كان ذلك عبر قصف المناطق السكنية والقرى بأكملها.
وكانت تقارير ميدانية متطابقة قد أفادت، بعد ساعات من العملية يوم الأربعاء، بسماع دوي انفجارات عنيفة وإطلاق نار كثيف في منطقة "الهابي سيتي" جنوب خانيونس، مع تحليق مكثف لطائرات الاحتلال المسيّرة والمروحية في سماء المنطقة.
وأضافت التقارير أن سيارات الإسعاف هرعت إلى المكان، لكن قوات الاحتلال منعتها من الوصول لسحب الجثث أو إسعاف الجرحى، في محاولة لطمس معالم الجريمة وحماية هوية العملاء الذين سقطوا في الكمين، خوفاً من أن يؤدي كشف هوياتهم إلى ملاحقة عائلاتهم أو تصفية خلايا نائمة أخرى. ولم تكشف "قوة رادع" عن هوية القتيل من عناصرها حتى الآن، مرجحة الإعلان عنها لاحقاً بعد إبلاغ ذويه. وأكدت المصادر أن الشهيد قضى أثناء تأمين انسحاب زملائه، في مشهد يعكس التضحية العالية والروح القتالية لأبناء المقاومة في ملاحقة العملاء.
التصدي الشعبي في البريج
لم تقتصر العمليات الأمنية على الكمين النوعي في خانيونس، بل امتدت لتشمل تصدياً شعبياً بطولياً في مخيم البريج وسط القطاع، حيث أشادت "قوة رادع" في بيانها بتصدي الأهالي الشجعان لعناصر المجموعات العميلة التي كانت تحاول الاعتداء عليهم وعلى ممتلكاتهم شرق المخيم.
وأفاد بيان القوة أن الأهالي واجهوا هذه العناصر بصلابة وبسالة، رغم الغطاء المباشر الذي كانت توفره لهم قوات الاحتلال الإسرائيلي التي كانت تراقب المشهد من كثب وتغطي تحركاتهم. هذا التصدي الشعبي النادر يعكس حالة من الرفض الشعبي الواسع للعملاء والخونة، ويؤكد أن الجبهة الداخلية في غزة ليست مجرد أرقام أو بيانات، بل هي إرادة صلبة لا تنكسر، تقف بالمرصاد لكل من تسول له نفسه التعاون مع الاحتلال ضد أبناء شعبه.
وتأتي هذه الوقفة الشعبية في البريج لتؤكد أن إجراءات المقاومة الأمنية ليست منفصلة عن الشارع الغزي، بل هي جزء من إرادة جماعية ترفض التطبيع والعمالة وتعتبرها خيانة للدماء التي أريقت دفاعاً عن الأرض والمقدسات.
وأكدت مصادر محلية أن الأهالي في المخيم تمكنوا من إلقاء القبض على أحد العناصر العميلة وتسليمه إلى الجهات الأمنية، بينما لاذ آخرون بالفرار باتجاه الشريط الحدودي تحت حماية قنابل الإنارة والقصف الإسرائيلي الذي حاول تشتيت الأهالي وتخويفهم. ويرى محللون أن هذه الحالة من التلاحم الشعبي الأمني تمثل أكبر كابوس للعملاء، الذين كانوا يعتقدون أن بإمكانهم التحرك بحرية تحت الغطاء الإسرائيلي المكثف، ليكتشفوا أن عيون المقاومة وعيون المواطنين تراقب كل صغيرة وكبيرة.
ضبط الانفلات واجتثاث الخلايا العميلة
تُعد "قوة رادع" إحدى التشكيلات الأمنية النوعية التي أطلقها أمن المقاومة في قطاع غزة، وذلك في إطار جهود منظومة الأمن الداخلي لمواجهة الانفلات الأمني وملاحقة المطلوبين من العملاء والمجرمين الذين يستهدفون استقرار الجبهة الداخلية. وتنفذ القوة مهام ميدانية متعددة ومتشعبة لا تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل تشمل أيضاً قضايا جنائية وضبط حالات الانفلات الأمني والمشاجرات والثأر، بالإضافة إلى بعض الحالات المرتبطة بتهديد الاستقرار الداخلي بأشكال مختلفة.
كما تتولى القوة تنفيذ عمليات اعتقال وتحقيق في عدد من الملفات الحساسة التي تشكل خطراً على النسيج الاجتماعي والأمني في القطاع.
وأكدت "قوة رادع" في بيانها، وفي أكثر من مناسبة سابقة، أن عمليات ملاحقة المجموعات العميلة مستمرة ولن تتوقف، مشددة على أنها ستواصل جهودها الأمنية والاستخباراتية حتى "اجتثاثها بالكامل" من جذورها في كل مناطق القطاع. وأوضحت القوة أن هذه التحركات العملياتية تأتي في إطار الحماية الصارمة للجبهة الداخلية وإفشال ما وصفته بمحاولات خلق فوضى أمنية مدبرة داخل القطاع، بدعم وتنسيق مباشر من أجهزة استخبارات الاحتلال التي تحاول استغلال أي ظرف لإحداث شرخ في الصف الداخلي.
وتشير التسريبات الأمنية إلى أن قوة رادع تمكنت خلال الشهرين الماضيين فقط من تفكيك ما لا يقل عن خمس خلايا عميلة وتصفية أو اعتقال العشرات من المطلوبين في مختلف محافظات القطاع.
من يخون سيدفع الثمن غالياً
تتعدد الرسائل التي تبعث بها "قوة رادع" عبر عملياتها المتتالية، وفي مقدمتها رسالة واضحة إلى كل عميل أو متعاون مع الاحتلال بأن عيون المقاومة وأمنها لا تغفو، وبأن الذراع الطويلة للمقاومة قادرة على الوصول إلى أي خائن أينما كان، حتى لو اختبأ خلف الجدران أو تحت الحماية الإسرائيلية المباشرة.
والرسالة الثانية موجهة إلى الاحتلال الإسرائيلي نفسه، مفادها أن سياسة "تجنيد العملاء" التي راهن عليها طويلاً قد فشلت فشلاً ذريعاً، وأن من يظن أنه يستطيع شراء ولاء أي فلسطيني بالمال أو بالتهديد فهو واهم. والرسالة الثالثة موجهة إلى الشعب الفلسطيني في غزة، وهي رسالة طمأنة بأن هناك من يحميهم ويحمي أمنهم الداخلي، وأن أي محاولة للعبث باستقرار القطاع ستقابل بقوة حاسمة لا تتردد ولا تتوانى.
وفي قراءة أعمق للأحداث، يرى المحللون أن توقيت هذه العمليات ليس منفصلاً عن الحرب الدائرة على إيران وعن الحرب المستمرة في الضفة الغربية، فهناك جهات تسعى لاستغلال انشغال المقاومة بجبهات متعددة لخلخلة الجبهة الداخلية في غزة وزرع الفوضى فيها.
لكن عمليات "قوة رادع" ومساندة الأهالي لها تثبت أن غزة عصية على الاختراق، وأن شعبها الأبي سيبقى درعاً وسيفاً يحمي مقاومته من كل المتربصين. وتأتي رسالة "رادع" الأخيرة محملة بوعد صريح وواضح: "كل من يمد يده للعدو ستقطع يده، وكل من يتآمر على أبناء شعبه سيدفع الثمن غالياً، مهما طال الزمن أو كثرت الحماة".
غزة لن تكون ساحة للعملاء
بكمين "الهابي سيتي" وبالتصدي الشعبي البطولي في مخيم البريج، وبعمليات "قوة رادع" المتواصلة، ترسل غزة رسالة واحدة واضحة وصاخبة لكل من تسول له نفسه التعاون مع الاحتلال أو العبث بأمن الجبهة الداخلية: غزة ليست ساحة مفتوحة للمغامرين، والدم الفلسطيني ليس سلعة للبيع والشراء.
وبينما يواصل الاحتلال حربه وحصاره ومحاولاته لزعزعة الاستقرار الداخلي، يثبت شعب غزة ومقاومته يوماً بعد يوم أن الوحدة الوطنية والصمود الشعبي هما السلاح الأقوى في مواجهة كل المخططات. ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن: كم من العملاء سيرتدعون بعد هذه العمليات، وكم منهم سيصرون على طريق الخيانة رغم كل التحذيرات؟ المؤكد أن "قوة رادع" لن تتركهم وشأنهم، وأن الكمين التالي قد يكون أقرب مما يتوقعون.










