انطلقت في المغرب اليوم الجمعة فعاليات معرض الرباط للنشر والكتاب في دورته الحادية والثلاثين، بمشاركة واسعة وغير مسبوقة من 891 دار نشر تمثل المملكة المغربية إلى جانب 60 بلداً عربياً وعالمياً من مختلف قارات العالم. ويقدم هذا العدد الهائل من دور النشر ما يزيد على 130 ألف عنوان متنوع في مختلف حقول الفكر والأدب والعلم والإبداع، مما يجعل المعرض واحداً من أكبر التظاهرات الثقافية في المنطقة العربية والإفريقية.
وتستمر فعاليات المعرض لعدة أيام متتالية، متوقعة أن تستقطب مئات الآلاف من الزوار من داخل المغرب وخارجه، في مشهد ثقافي يعكس مكانة المملكة كجسر للحوار بين الحضارات والثقافات المختلفة.
تكريم ابن بطوطة
يحتفي المعرض في دورته الحالية بشخصية الرحالة المغربي الشهير "ابن بطوطة" الذي ظل اسمه يتردد عبر القرنين كواحد من أعظم الرحالة في تاريخ الإنسانية، ويخلد رحلته الأسطورية التي دونها في مؤلفه الشهير "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار".
وتتجسد هذه الرحلة العجيبة عبر لوحات فنية رائعة تلخص بإبداع عشر محطات رئيسية مر بها الرحالة المغربي، بدءاً من مسقط رأسه في مدينة طنجة مروراً بالعديد من الدول الإفريقية والعربية وصولاً إلى الصين في أقصى الشرق. وبهذا التكريم الفني المبتكر، يعيد المعرض إحياء ذاكرة ابن بطوطة في وجدان الأجيال الجديدة، ويبرز دور المغرب في إنجاب عمالقة الفكر والاستكشاف عبر العصور المختلفة.
أدب الرحلة
سيكون "أدب الرحلة" هو المحور الثقافي الرئيسي لهذه الدورة المميزة، حيث يحتفي المعرض بهذا النوع الأدبي الفريد الذي يمزج بين التوثيق الجغرافي والسرد الأدبي الشيق والتأملات الفلسفية العميقة. وتتضمن هذه الدورة النابضة فقرة خاصة أطلق عليها اسم "المئوية" وهي مخصصة لأدباء مغاربة وعرب وعالميين قدموا إسهامات كبيرة في تطوير هذا النوع الأدبي على مر العصور.
وإلى جانب ذلك، يحتفي المعرض بمرور 900 سنة كاملة على ذكرى الفيلسوف الأندلسي الكبير ابن رشد، ذلك المفكر الموسوعي الذي أثرى الفلسفة والطب والفقه وعلم الكلام، وما زالت أفكاره تدرس في أعظم الجامعات العالمية حتى يومنا هذا.
زيارة ملكية
قام ولي العهد المغربي الأمير مولاي الحسن بزيارة ميدانية لعدد من أروقة المعرض المختلفة، حيث تجول بين جناحين رئيسيين وأروقة عرض متنوعة تعكس تنوع المشاركين في هذه التظاهرة الثقافية الكبرى.
وشملت جولته الميدانية جناح الجمهورية الفرنسية التي تحل ضيف شرف الدورة الحادية والثلاثين للمعرض، وهو الجناح الذي سيشهد تنظيماً لـ 120 فعالية ثقافية وفنية من تنظيم المركز الثقافي الفرنسي في المغرب. وتعكس هذه الزيارة الملكية الاهتمام البالغ الذي توليه الأسرة الحاكمة المغربية للشأن الثقافي والمعرفي، ودعمها اللامحدود لكل المبادرات التي تعزز مكانة المملكة كمركز إشعاع حضاري في المنطقة.
روابط تاريخية
يحتفي البلدان المغرب وفرنسا بالروابط التاريخية والثقافية العميقة التي تجمعهما عبر قرون من التواصل والتعايش والتبادل الثقافي المتنوع في مختلف المجالات. ويعزز هذا المعرض التعاون المشترك بين الرباط وباريس، الذي تدعمه وتقويه الشراكة الاستثنائية الوطيدة بين البلدين تحت رعاية ملكية سامية من الملك محمد السادس ورئاسية عالية من الرئيس إيمانويل ماكرون.
وتأتي هذه المشاركة الفرنسية المتميزة في وقت تشهد فيه العلاقات بين المغرب وفرنسا تطوراً ملحوظاً في مختلف المجالات الثقافية والاقتصادية والسياسية والأمنية، مما يخلق أرضية خصبة لمزيد من التعاون المستقبلي المثمر بين الجانبين.
تكريم دولي
تتزامن الدورة الحادية والثلاثون من معرض الرباط للكتاب مع حدث دولي بالغ الأهمية، وهو اختيار منظمة "اليونسكو" لمدينة الرباط عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026، وهو تكريم عالمي رفيع المستوى يعكس المكانة الثقافية المرموقة التي باتت تحتلها العاصمة المغربية على الخريطة الثقافية العالمية. ويشكل هذا الاختيار اعترافاً دولياً رسمياً بالموروث التاريخي الغني لهذه المدينة العريقة، التي ظلت لقرون منارة للعلم والمعرفة وملتقى للعلماء والكتاب والفنانين من مختلف بقاع العالم الإسلامي والأوروبي والإفريقي.
وتعتبر الرباط بهذا التتويج أول مدينة مغربية وعربية تحظى بهذا اللقب الرفيع، مما يضعها في مصاف المدن الكبرى التي توجت بها اليونسكو سابقاً مثل مدريد وباريس وأثينا وغيرها من عواصم الثقافة والعلم.
كلمة الوزير
قال محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل المغربي، في كلمته التي قدم بها البرنامج الثقافي الغني والمتنوع لهذه الدورة المميزة، إن "الكتاب يمثّل دعوة إلى السفر وارتياد عوالم تخييلية لا نهائية"، مؤكداً على الدور الحيوي والمحوري للكتاب في حياة الأمم والشعوب. وأشار الوزير إلى أن المعرض ينخرط بشكل فاعل في تعزيز الأدب باعتباره رافعة قوية للتقريب بين الثقافات المختلفة، ووسيلة فعالة لتجاوز الصراعات والنزاعات، ومجالاً خصباً للابتكار الفني والإبداع الأدبي بمختلف أنواعه وأشكاله.
وبهذه الرؤية الطموحة، يضع المعرض نفسه في موقع الوسيط الثقافي الذي لا يقتصر دوره على تسويق الكتب فقط، بل يمتد إلى بناء جسور التواصل بين الشعوب وتعزيز ثقافة السلام والحوار بدلاً من ثقافة الصراع والكراهية.
رسالة الرباط
أضاف بنسعيد في كلمته أن الرباط، "عاصمة المملكة المغربية، والمدينة العالمية التي تختزن تاريخاً عريقاً وتراثاً غنياً، ومركزاً للنهوض بصناعة الكتاب ونشره، تظل متمسكة برسالتها العريقة الممتدة عبر القرون". وتتمثل هذه الرسالة الخالدة في كون الرباط جسراً حقيقياً يربط بين القارات المختلفة والحضارات المتعددة، حيث التقى فيها على مر التاريخ علماء الأندلس وفقهاء المشرق وأدباء أوروبا وتجار إفريقيا.
وبفضل هذه المكانة الفريدة، تستمر العاصمة المغربية في لعب دورها التاريخي كمنصة للحوار الثقافي والحضاري، وكملتقى يجمع تحت سقف واحد مختلف الثقافات واللغات والتوجهات الفكرية دون تعصب أو إقصاء.









