4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

الأقصى في خطر: 4000 مستوطن واقتحامات "بن غفير" تستهدف تغيير الواقع التاريخي

لم يكن شهر أبريل الماضي مجرد ثلاثين يوماً عابرة في رزنامة المقدسيين، بل كان اختباراً قاسياً لإرادة الصمود في وجه آلة عسكرية واستيطانية لا تعرف الهوادة.

بقلم: محمد خميس
٢ مايو ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
14 مشاهدة
القدس

القدس

لم يكن شهر أبريل الماضي مجرد ثلاثين يوماً عابرة في رزنامة المقدسيين، بل كان اختباراً قاسياً لإرادة الصمود في وجه آلة عسكرية واستيطانية لا تعرف الهوادة.

 حيث وثّقت معطيات إحصائية وحقوقية تصاعداً مخيفاً في وتيرة الانتهاكات التي طالت كافة مناحي الحياة في المدينة المقدسة، إن القارئ المتابع للمشهد في القدس يدرك أن ارتقاء شهيد وإصابة العشرات بالرصاص لم تكن سوى قمة جبل الجليد في استراتيجية "الخنق الممنهج" التي يتبعها الاحتلال، والتي تهدف بوضوح إلى طمس الهوية العربية والإسلامية والمسيحية للمدينة.

 فمن الاقتحامات الجماعية للمسجد الأقصى بقيادة وزراء متطرفين، إلى سياسات الهدم التي شردت العائلات من منازلها، وصولاً إلى حرب الألبان واللحوم التي استهدفت لقمة عيش المقدسي، تبرز لوحة من المعاناة الإنسانية والسياسية التي تفرض وقائع ديموغرافية وجغرافية بالقوة، وسط صمت دولي مريب يفتح الشهية الاستيطانية لمزيد من الابتلاع والتوسع في قلب الأحياء التاريخية كحي الشيخ جراح وسلوان.

تدنيس الأقصى: "بن غفير" والصلوات التلمودية كأدوات لتغيير "الوضع القائم"

شهد المسجد الأقصى المبارك خلال أبريل الماضي تصعيداً غير مسبوق، حيث اقتحم باحاته أكثر من 4092 مستوطناً، وهو رقم يعكس النوايا المبيتة لفرض التقسيم الزماني والمكاني.

 ولم يتوقف الأمر عند الأرقام، بل امتد لشرعنة الانتهاكات عبر مشاركة وزير الأمن القومي "إيتمار بن غفير" في الاقتحامات مرتين، مما منح غطاءً رسمياً للمستوطنين لأداء صلوات تلمودية علنية وترديد النشيد الإسرائيلي وممارسة ما يعرف بـ "الانبطاح الجماعي".

 وتكشف تقارير "مركز معلومات وادي حلوة" ومنصتي "القسطل" و"معراج" أن شرطة الاحتلال لم تكتفِ بتوفير الحماية، بل تعمدت تخريب غرفة الصوتيات وتعطيل رفع أذان العشاء، في محاولة لكسر الرمزية الروحية للمكان، إن هذه الاعتداءات تهدف إلى خلق واقع جديد يمهد لهدم الهوية الإسلامية للمسجد الأقصى، مما يجعل من الدفاع عنه قضية وجودية للمقدسيين وللمسلمين حول العالم.

آلة الهدم والاستيطان: سباق مع الزمن لتهويد الشيخ جراح والأحياء المقدسية

في سياق متصل، لم تتوقف جرافات الاحتلال عن نهش الأراضي الفلسطينية، حيث سُجّلت 35 عملية هدم وتجريف طالت 26 منشأة سكنية وتجارية خلال شهر واحد، مما خلف عشرات العائلات في العراء، وبالتوازي مع هذا الهدم.

 تسارعت وتيرة البناء الاستيطاني عبر الإعلان عن أربعة مشاريع جديدة تستهدف تغيير الخارطة الديموغرافية، وأبرز هذه الجرائم ما يحدث في حي الشيخ جراح، حيث صودقت المخططات لإقامة مدرسة دينية يهودية (يشيفا) ضخمة مكونة من 11 طابقاً على أراضٍ مصادرة بموجب قانون "أملاك الغائبين" الجائر، إن هذا المخطط لا يهدف فقط للاستيطان، بل لخلق بؤرة يهودية ضخمة تلتهم النسيج الاجتماعي العربي في الحي، وتفصل القدس القديمة عن محيطها الشمالي، مما يجعل من الحياة العربية في هذه المناطق ضرباً من المستحيل في ظل التضييق المستمر.

الخنق الاقتصادي والتنكيل الميداني: حرب الألبان والاعتداء على ذوي الإعاقة

تجاوزت انتهاكات الاحتلال الصراع على الأرض لتصل إلى حرب "الأمعاء الخاوية"، عبر قرار منع إدخال المنتجات الغذائية الفلسطينية، لا سيما الألبان واللحوم، إلى القدس الشرقية، هذا القرار ليس إجراءً صحياً كما يدعي الاحتلال، بل هو خطوة تندرج ضمن "الخنق الاقتصادي" لربط المقدسي بالسوق الإسرائيلية وضرب المنتج الوطني الفلسطيني، وعلى الصعيد الإنساني.

 وثّقت الكاميرات بشاعة السلوك العسكري، حيث اعتدى الجنود بعنف مفرط على فتى من ذوي الإعاقة (متلازمة داون) في مخيم شعفاط، بينما قام مستوطن بسحل راهبة فرنسية قرب جبل صهيون، إن هذه الاعتداءات تعكس حالة من الانفلات العنصري الذي يغذيه الخطاب المتطرف في الحكومة الإسرائيلية، والذي يستهدف كل ما هو غير يهودي في المدينة، سواء كان مسلماً أو مسيحياً، أو حتى إنساناً من ذوي الاحتياجات الخاصة.

مقابر الأرقام والاعتقالات: الجرح المفتوح والبحث عن العدالة المفقودة

تظل قضية احتجاز جثامين الشهداء هي الجرح الأكثر إيلاماً في جسد القدس، حيث كشفت المعطيات عن استمرار احتجاز جثامين 30 شهيداً مقدسياً، بالإضافة إلى دفن الطفل الشهيد وديع عليان (14 عاماً) في "مقابر الأرقام" منذ تشرين الأول الماضي، في انتهاك صارخ لكل الأعراف الدولية والقيم الإنسانية، وترافق ذلك مع حملة اعتقالات مسعورة طالت 141 مقدسياً، وإصدار 95 قرار إبعاد عن المسجد الأقصى والمدينة.

 هذه السياسة تهدف إلى تفريغ القدس من شبابها الفاعل وإرهاب العائلات لمنعها من المشاركة في أي نشاط وطني أو ديني، إن هذه الأرقام والوقائع تؤكد أن القدس تعيش حالة "إبادة اجتماعية" صامتة، تتطلب تحركاً قانونياً ودولياً عاجلاً لوقف هذه الجرائم التي تسعى لفرض السيادة الإسرائيلية المطلقة على مدينة السلام التي تحولت بفعل الاحتلال إلى ساحة حرب يومية.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال