20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

خاص.. د. سعيد أبو رحمة: عودة إسرائيل لاحتلال غزة غير واردة لوجود عجز بشري

قال د. سعيد أبو رحمة الباحث في قضايا الصراع ، تتأرجح احتمالات عودة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بين دوافع أمنية داخلية وضغوط سياسية خارجية

بقلم: سماح عثمان
٣ مايو ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
16 مشاهدة
غزة

غزة

قال د. سعيد أبو رحمة الباحث في قضايا الصراع ، تتأرجح احتمالات عودة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بين دوافع أمنية داخلية وضغوط سياسية خارجية، في مشهد معقد لا يمكن قراءته بمعزل عن السياقين الإقليمي والدولي. فقرار استئناف الحرب لا يرتبط فقط بحسابات الميدان، بل يخضع لتوازنات دقيقة تتقاطع فيها اعتبارات الكلفة، والجاهزية العسكرية، والموقف الأمريكي، فضلًا عن تداعيات أي تصعيد على ملفات أكثر حساسية، وفي مقدمتها العلاقة مع إيران.

وأشار أبو رحمة لـ"180 تحقيقات"، في هذا الإطار يبرز عامل إعادة احتلال غزة كأحد أبرز القيود التي تكبح اندفاعة إسرائيل نحو حرب شاملة. فمثل هذا السيناريو لا يعني مجرد عملية عسكرية محدودة، بل يفتح الباب أمام تحمّل مسؤوليات ثقيلة كقوة احتلال، تشمل إدارة شؤون السكان، وتأمين الخدمات الأساسية، والتعامل مع تحديات إنسانية وأمنية مركبة في بيئة شديدة التعقيد. هذه الأعباء، التي جربتها إسرائيل سابقًا قبل الانسحاب من القطاع، تجعل من خيار العودة إلى السيطرة المباشرة خطوة غير مرغوب فيها، خصوصًا في ظل كلفتها الاقتصادية والبشرية العالية، وما قد تسببه من استنزاف طويل الأمد.


وأكد الباحث في قضايا الصراع، إلى جانب ذلك لا يمكن تجاهل التحديات المرتبطة بالجاهزية العسكرية، وعلى رأسها مسألة تجنيد قوات الاحتياط. فالعودة إلى حرب واسعة تتطلب تعبئة بشرية كبيرة، وهو ما يفرض أعباء على الاقتصاد والمجتمع الإسرائيلي، ويحتاج إلى درجة من التوافق الداخلي قد لا تكون متوفرة بشكل كامل. كما أن طول أمد أي مواجهة محتملة قد يزيد من حدة الانقسامات الداخلية، ويضع القيادة السياسية أمام ضغوط متزايدة من الرأي العام.


وأكد أبو رحمة، في المقابل تبدو الاستراتيجية البديلة أكثر انسجامًا مع هذه المعطيات، وهي استراتيجية التصعيد المنضبط، التي تعتمد على تنفيذ عمليات عسكرية محدودة ودقيقة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة. هذا النمط من العمليات، مثل استهداف شخصيات محددة أو توجيه ضربات نوعية، يحقق عدة أهداف في آن واحد: فهو يحافظ على مستوى من الردع، ويبعث برسائل قوة إلى الداخل والخارج، وفي الوقت ذاته يتجنب التورط في حرب مفتوحة ذات كلفة عالية. كما أن هذا النهج يمنح القيادة الإسرائيلية هامشًا للمناورة السياسية، خاصة في ظل بيئة داخلية تنافسية، حيث يمكن توظيف هذه العمليات لتعزيز موقع التيارات اليمينية التي ترفع شعار الحسم الأمني.


غير أن العامل الأكثر تأثيرًا في ضبط إيقاع القرار الإسرائيلي يبقى الموقف الأمريكي، الذي يشكل مظلة سياسية واستراتيجية لا غنى عنها. فالولايات المتحدة، رغم دعمها التقليدي لإسرائيل، لا تبدو في المرحلة الراهنة معنية بفتح جبهة جديدة في غزة، خاصة إذا كان ذلك سيؤدي إلى تصعيد إقليمي أوسع. واشنطن تدرك أن أي حرب شاملة قد تعيد إنتاج مشهد إنساني معقد، وتزيد من الضغوط الدولية، وتضعها في موقع حرج أمام حلفائها وخصومها على حد سواء.


كما أن الأولويات الأمريكية الحالية تميل إلى احتواء الأزمات بدلًا من توسيعها، في ظل انشغالها بملفات دولية متعددة، وسعيها للحفاظ على استقرار الممرات البحرية، وضمان أمن حلفائها في المنطقة. من هذا المنطلق، فإن منح ضوء أخضر لحرب جديدة في غزة لا يبدو خيارًا مفضلًا، بل إن واشنطن قد تمارس ضغوطًا مباشرة أو غير مباشرة لمنع الانزلاق نحو مواجهة واسعة.

غزة والتصعيد علي إيران 


واستطرد، تزداد أهمية هذا العامل عند ربطه بالملف الإيراني، الذي يمثل أحد أبرز محددات البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط. فقرار الحرب على غزة قبل أي تصعيد مع إيران يختلف جذريًا عن القرار بعده. في حال كانت المنطقة تشهد توترًا مع إيران، قد تسعى إسرائيل إلى توزيع الضغط على أكثر من جبهة، لكن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة. أما في حال التهدئة أو ما بعد أي مواجهة مع إيران، فإن التوجه العام خاصة من الجانب الأمريكي يميل إلى تثبيت الاستقرار النسبي، ومنع فتح جبهات جديدة قد تعيد إشعال المنطقة.


 فيمكن القول إن المشهد يتجه نحو ترسيخ معادلة إدارة الصراع بدلًا من “حسمه”. فإسرائيل، في ظل هذه القيود، قد تجد أن الخيار الأكثر واقعية هو الاستمرار في سياسة الضربات المحدودة والعمليات الدقيقة، دون الانخراط في حرب شاملة قد تفرض عليها أثمانًا باهظة. وفي المقابل، تعمل الولايات المتحدة على ضبط هذا الإيقاع، بما يضمن بقاء التصعيد ضمن حدود يمكن السيطرة عليها.


فلا يبدو أن الحرب الشاملة على غزة خيار قريب في المدى المنظور، ليس بسبب غياب الدوافع، بل نتيجة تداخل القيود وارتفاع الكلفة وتعقّد البيئة الاستراتيجية. وبين رغبة إسرائيل في الحفاظ على قوة الردع، وحرص الولايات المتحدة على تجنب توسع الصراع، تتشكل معادلة دقيقة تحكم سلوك الطرفين، وتُبقي المنطقة في حالة لا حرب ولا سلم، حيث تستمر التوترات، لكن دون الوصول إلى الانفجار الكبير.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال