في وقت يحتفل فيه العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة كرمز للديمقراطية وحق الشعوب في المعرفة، يتحول هذا اليوم في قطاع غزة إلى مناسبة لتعداد النعوش ورصد الانتهاكات التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ الصحافة الحديث.
لم تعد الكاميرا أو القلم أدوات لنقل الخبر فحسب، بل أصبحت في غزة تذكرة عبور نحو الموت، حيث أعلنت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان رسمياً أن القطاع بات البقعة "الأكثر خطورة في العالم على الصحفيين".
هذا التوصيف الأممي لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج واقع مرير تحولت فيه مهنة الصحافة من "البحث عن المتاعب" إلى "مواجهة الموت المحقق"، في ظل بيئة عمل عدائية تتقصد تغييب الرواية الصادقة ودفن الحقيقة تحت أنقاض المؤسسات الإعلامية المدمرة.
الفخ المميت: 300 شهيد والعدّاد لا يتوقف
أطلق المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، تحذيراً شديد اللهجة بمناسبة الثالث من أيار/مايو، مؤكداً أن "الحرب في غزة تحولت إلى فخ مميت لوسائل الإعلام"، حيث وثق مكتب المفوضية استشهاد نحو 300 صحفي وإصابة المئات منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
هذه الأرقام المفزعة تعكس استهدافاً ممنهجاً لا يمكن إدراجه ضمن "الأخطاء العرضية" للعمليات العسكرية، بل يشير إلى رغبة واضحة في خلق فراغ معلوماتي.
ودعا تورك دول العالم إلى تجاوز لغة "بيانات الإدانة" الباردة والتحرك الفعلي لضمان المساءلة الجنائية، وحماية من تبقى من الكوادر الصحفية الذين يعملون في ظروف تتنافى مع أبسط قواعد القانون الدولي الإنساني.
2025.. العام الأسود في تاريخ الصحافة العالمية
لا تقتصر المأساة على الجغرافيا الفلسطينية فحسب، بل تمتد لتشمل تدهوراً عالمياً غير مسبوق في أمن وسلامة الصحفيين، حيث تشير بيانات لجنة حماية الصحفيين إلى أن عام 2025 شهد مقتل ما لا يقل عن 129 صحفيًا حول العالم، وهو الرقم الأعلى منذ بدء التوثيق في مطلع التسعينيات.
والمفارقة المؤلمة أن النسبة الأكبر من هؤلاء الضحايا سقطت في قطاع غزة، ما يجعل النزاع الحالي "الأكثر فتكاً" بالصحفيين في العصر الحديث. هذا التدهور المتسارع يعكس انهياراً في منظومة الحماية الدولية، ويضع المؤسسات الأممية أمام اختبار حقيقي لتأمين وصول مستقل لوسائل الإعلام الدولية إلى مناطق النزاع، لكسر العزلة التي تفرضها القوى العسكرية على الحقيقة.
سياسة "الأرض المحروقة" إعلامياً: تدمير المؤسسات واستهداف المنازل
تتجاوز الانتهاكات حدود القتل المباشر لتشمل استراتيجية كاملة لـ "إسكات الصوت"، حيث رصدت تقارير حقوقية تدميراً واسعاً للمكاتب الصحفية ومراكز البث، واستهدافاً مباشراً لمنازل الصحفيين وعائلاتهم للضغط عليهم وكسر إرادتهم.
وفي ظل منع دخول الصحفيين الأجانب والمؤسسات الدولية إلى القطاع، ألقي العبء الأكبر على عاتق "الصحفي المحلي" الذي بات المصدر الوحيد والأساسي لنقل الفواجع الإنسانية هذا الصحفي الذي يفقد منزله وعائلته، يجد نفسه مضطراً لمواصلة التغطية من الخيام أو فوق الأنقاض، متحدياً القيود اللوجستية وانقطاع الاتصالات المتكرر، ليضمن ألا يطوي النسيان قصص الضحايا.
الضفة الغربية: قمع ممنهج وتغييب للعدسة
وعلى مقربة من غزة، لا تبدو الصورة في الضفة الغربية أقل قتامة، حيث تتواصل الانتهاكات بحق الطواقم الإعلامية من خلال عمليات الاعتقال التعسفي والاعتداءات الميدانية المباشرة أثناء تغطية الاقتحامات. فرض قيود صارمة على الحركة ومنع التغطية في مناطق "التوتر" يهدف بالأساس إلى منع توثيق الانتهاكات الحقوقية، ما يخلق بيئة عمل محفوفة بالمخاطر والترهيب.
إن تزامن هذه الانتهاكات في غزة والضفة مع اليوم العالمي لحرية الصحافة، يبعث برسالة واضحة للمجتمع الدولي بضرورة الانتقال من التضامن الرمزي إلى الفعل القانوني الملزم، لحماية "حراس الحقيقة" من التصفية والاعتقال.









