بينما كانت الطائرات المصرية تشق عباب السماء في السادس من أكتوبر عام 1973، ملقيةً بلهيبها فوق حصون العدو، كانت هناك عدسةٌ مجهولة تلتقط لقطةً لم يكن صاحبها يدرك أنها ستتحول إلى "ماركة مسجلة" للنصر المصري على مدار نصف قرن.
جنديٌ بسيط، يرفع بصره نحو السماء بذهولٍ ممزوج بالفخر، يمسك سلاحه بيده بينما ترفع اليد الأخرى تحيةً للقدر الذي أعاد الأرض والكرامة.
اليوم، يرحل صاحب هذا الوجه الأيقوني، البطل "حسانين أحمد"، جندي المشاة الذي لم تكن صورته مجرد لقطة عابرة، بل كانت انعكاساً لروح أمةٍ كاملة رفضت الهزيمة.
رحل جسداً في مدينة العاشر من رمضان، لكنه يظل باقياً في كل كتاب تاريخ، وفي كل ملصقٍ يجسد معاني العزة والشموخ التي سطرها المقاتل المصري بدماء العبور.

مسيرة بطل: من سنوات الصمود إلى ملحمة الاستنزاف
لم يبدأ تاريخ حسانين أحمد مع لحظة العبور فحسب، بل كان نتاجاً لسنوات طوال من المعاناة والصمود، حيث التحق بالقوات المسلحة المصرية في أواخر ستينيات القرن الماضي، وهي الفترة الأصعب التي تلت نكسة يونيو.
عاصر البطل الراحل ما عُرف بـ "حرب الاستنزاف"، تلك المعركة الطويلة التي كانت بمثابة المدرسة الحقيقية للمقاتل المصري، حيث صُقلت فيها مهاراته وتولدت لديه الرغبة العارمة في الثأر لاسترداد الأرض المحتلة.
كان حسانين معروفاً بين زملائه في سلاح المشاة بصلابته الاستثنائية، وقدرته على التحمل في ظل ظروف سيناء القاسية، وهو ما أهله ليكون ضمن الصفوف الأولى التي وطأت أقدامها رمال الضفة الشرقية للقناة عقب تحطيم أسطورة خط بارليف المنيع.
اللقطة الخالدة: كيف تحول حسانين أحمد إلى رمز بصري للنصر؟

تعتبر الصورة التي ظهر فيها البطل حسانين أحمد هي الأشهر على الإطلاق في الأرشيف العسكري المصري، فهي تختزل مشاعر إنسانية خالصة لا يمكن تزييفها. في تلك اللحظة، ظهر حسانين وهو يراقب تحليق "نسور الجو" المصريين، وقد ارتسمت على وجهه علامات الدهشة واليقين في آنٍ واحد؛ يدٌ تقبض على السلاح ويدٌ تشير إلى السماء، في مشهد جسّد الإيمان العميق بأن النصر من عند الله.
هذه اللقطة العفوية أصبحت لاحقاً جزءاً من الوجدان الشعبي، حيث تُستخدم في الأفلام الوثائقية والكتب المدرسية والاحتفالات السنوية كأيقونة تعبّر عن فرحة الجندي المصري الذي رأى المستحيل يتحقق أمام عينيه، مما جعل من وجهه وجهاً مألوفاً لكل بيت في مصر دون أن يعرف الكثيرون اسمه في البداية.
وداعٌ مهيب: العاشر من رمضان تودع ابنها البطل
خيّم الحزن العميق على أهالي مدينة العاشر من رمضان بمحافظة الشرقية، فور إعلان نبأ وفاة البطل حسانين أحمد اليوم الأحد، وبدأت مراسم التشييع من مسجد التوحيد وسط حضور حاشد من أسرته وزملائه القدامى وعدد من الشخصيات العامة، الذين حرصوا على إلقاء نظرة الوداع على واحد من "الرموز الوطنية" الصادقة.
وانطلق موكب الجنازة ليُوارى جثمانه الثرى بمقابر الروبيكي، في مشهدٍ اختلطت فيه دموع الفراق بكلمات الفخر بمسيرة رجل عاش بصمت البطل ورحل بوقار الرموز. وقد نعاه أهالي الشرقية مؤكدين أن رحيله يمثل خسارة لواحد من أهم الشهود الأحياء على لحظة العبور العظيم، تلك اللحظة التي غيرت مجرى التاريخ في المنطقة.
حسانين أحمد وتصدر التريند: استعادة ذاكرة الفخر
عقب رحيله، تصدر اسم البطل حسانين أحمد منصات التواصل الاجتماعي، حيث تداول آلاف المصريين صورته الشهيرة مع عبارات الرثاء والتقدير.
هذا التفاعل الرقمي الضخم يعكس مدى ارتباط الأجيال الجديدة ببطولات أكتوبر، وكيف أن هذه الصورة الأيقونية استطاعت أن تنقل رسالة الصمود عبر العقود.

المغردون والمدونون اعتبروا أن حسانين لم يكن مجرد جندي، بل كان "سفيراً للفرحة" التي انتظرتها مصر لسنوات، وأن صورته هي أصدق تعبير عن كسر غطرسة العدو. إن هذا الاحتفاء الرقمي يؤكد أن ذاكرة الوطن لا تنسى أبطالها، وأن قصص هؤلاء الرجال تظل منارةً تُلهم الشباب معاني الانتماء والوطنية والتضحية من أجل رفعة البلاد.
رحيل الجسد وبقاء الأثر الأيقوني
رحل البطل حسانين أحمد، لكنه ترك خلفه ما هو أثمن من الكلام؛ ترك صورةً ستبقى تتصدر مشهد الاحتفال بكل ذكرى لنصر أكتوبر المجيد. إن رحيل هؤلاء الأبطال يضعنا أمام مسؤولية كبيرة للحفاظ على التاريخ الذي صنعوه بدمائهم وعرقهم، ونقله للأجيال القادمة بأمانة وصدق.
سيبقى وجه حسانين المرفوع نحو السماء شاهداً خالداً على شجاعة المقاتل المصري الذي حطم قيود الهزيمة وصنع المعجزات وإن مدينة العاشر من رمضان، ومحافظة الشرقية، ومصر بأسرها، تودع اليوم ابناً باراً، ومقاتلاً جسوراً، وأيقونةً بشرية ستظل حيةً في ذاكرة الوطن ما بقي النيل يجري، وما بقيت ذكرى أكتوبر قصة فخرٍ تُروى من جيل إلى جيل.










