19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

عمال غزة في يومهم العالمي: أيادي تُباد تحت النار وتقاوم الانهيار وسط حرب التجويع والتدمير

يحل الأول من مايو هذا العام على قطاع غزة في مشهد يختصر واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية والاقتصادية قسوة في العصر الحديث، حيث يأتي عيد العمال العالمي فيما يعيش العمال الفلسطينيون في قلب حرب إبادة مستمرة منذ أكتوبر 2023

بقلم: سماح عثمان
٣٠ أبريل ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
24 مشاهدة
عمال غزة

عمال غزة

يحل الأول من مايو هذا العام على قطاع غزة في مشهد يختصر واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية والاقتصادية قسوة في العصر الحديث، حيث يأتي عيد العمال العالمي فيما يعيش العمال الفلسطينيون في قلب حرب إبادة مستمرة منذ أكتوبر 2023، كشفت بصورة غير مسبوقة زيف الرواية الإسرائيلية حول "العمليات العسكرية المحدودة"، وأكدت أن الاستهداف طال الإنسان الفلسطيني في وجوده، ولقمة عيشه، وبنيته الاقتصادية، بدعم أمريكي مباشر وفّر الغطاء السياسي والعسكري لاستمرار الحرب.

وفي بيان صادر عن وزارة العمل الفلسطينية في قطاع غزة، بدا واضحًا أن الطبقة العاملة الفلسطينية لم تعد تواجه مجرد بطالة أو تراجعًا اقتصاديًا، بل تعيش انهيارًا وجوديًا شاملاً، بعد أن تحولت الحرب الإسرائيلية إلى آلة تدمير ممنهج استهدفت البشر، والمنشآت، والأسواق، والبنية الإنتاجية، بما جعل العامل الفلسطيني من أكثر الفئات تضررًا في معركة البقاء اليومي.

انهيار سوق العمل

بحسب بيانات وزارة العمل، فإن مؤشرات سوق العمل الفلسطيني سجلت مستويات كارثية غير مسبوقة، حيث بلغ معدل البطالة في قطاع غزة نحو 80%، مقابل 34% في الضفة الغربية، بما يعادل قرابة 550 ألف عاطل عن العمل في فلسطين. هذه الأرقام لا تعكس أزمة تشغيل عابرة، بل انهيارًا اقتصاديًا شاملاً فرضه الاحتلال الإسرائيلي عبر القصف، والحصار، وتدمير المنشآت، ومنع أي دورة إنتاج طبيعية.

كما تشير البيانات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي انخفض بأكثر من 84%، فيما تراجعت الأنشطة الاقتصادية بنسب تراوحت بين 83% و98%، وهو ما يعني عمليًا شللًا شبه كامل في مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية. ولم يعد الأمر متعلقًا فقط بفقدان الوظائف، بل بانهيار البيئة الاقتصادية نفسها التي يمكن أن تنتج فرص العمل.

الفقر كسلاح حرب

الأخطر من البطالة هو التحول المتسارع نحو الفقر الشامل، إذ تجاوزت معدلات الفقر في قطاع غزة 93%، بينما يعاني أكثر من 75% من السكان من انعدام الأمن الغذائي الحاد. هذه الأرقام تكشف أن الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل جزءًا من سياسة تجويع ممنهجة، تستخدم الاقتصاد والحصار كأدوات ضغط جماعي ضد المدنيين.

لقد بات أكثر من 95% من سكان غزة يعتمدون على المساعدات الإنسانية المحدودة، في مشهد يعكس كيف تحوّل مجتمع بأكمله من دائرة الإنتاج والعمل إلى دائرة الإغاثة القسرية. وهذا الواقع يطرح سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا بالغ الخطورة: كيف يمكن الحديث عن "حق العمل" تحت الحصار والإبادة؟

العامل الفلسطيني هدف مباشر

تؤكد وزارة العمل أن أكثر من 250 ألف عامل في غزة فقدوا وظائفهم بشكل دائم، لكن الخسارة لا تُقاس فقط بالأرقام. فالعامل الفلسطيني لم يخسر راتبه فقط، بل فقد ورشته، ومصنعه، وأرضه الزراعية، وأحيانًا حياته نفسها. لقد تعرضت المصانع، والأسواق، وورش العمل، والبنية التجارية لقصف مباشر، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، الذي يُفترض أن يحمي المدنيين وأماكن معيشتهم.

وهنا تتجلى حقيقة الحرب الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023: لم تكن موجهة ضد بنية عسكرية فقط، بل ضد مقومات الحياة الفلسطينية بأكملها، في إطار استراتيجية تهدف إلى تفكيك المجتمع وإضعاف قدرته على الصمود طويل الأمد.

الحصار وإغلاق المعابر

يشير البيان إلى أن استمرار الحصار وإغلاق المعابر ومنع إدخال المواد الخام أدى إلى تعطيل كامل لسلاسل الإنتاج، ما جعل التعافي الاقتصادي شبه مستحيل دون تغيير جذري في البيئة السياسية والإنسانية المحيطة.

فحتى في حال توقف القصف، فإن الاقتصاد لا يمكن أن يستعيد عافيته في ظل منع المواد الأساسية، وتعطيل التجارة، وغياب إعادة الإعمار. وهذا يعني أن الحصار لم يعد مجرد إجراء أمني كما تروج إسرائيل، بل أصبح أداة بنيوية لإدامة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.

نداء للمحاسبة الدولية

في بيانها، دعت وزارة العمل المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والإنسانية، وتوثيق الانتهاكات بحق العمال الفلسطينيين، ومساءلة الاحتلال أمام المحاكم الدولية. كما طالبت منظمة العمل الدولية ومنظمة العمل العربية بتحويل التضامن من بيانات إلى إجراءات عملية تحمي حق الفلسطينيين في العمل الكريم والحماية الاجتماعية.

هذا النداء يتجاوز البعد الاقتصادي؛ فهو يضع قضية العمال الفلسطينيين ضمن سياق أوسع يتعلق بالعدالة الدولية، ويفضح مرة أخرى ازدواجية المعايير العالمية، حيث تُرفع شعارات حقوق الإنسان بينما يُترك ملايين الفلسطينيين تحت القصف والحصار والتجويع.

محاولات التعافي وسط المستحيل

رغم هذا الواقع المدمر، تشير الوزارة إلى أنها شرعت في تنفيذ برامج تدريب مهني وتشغيل طارئ تشمل مجالات مثل النجارة، وصيانة الإلكترونيات، والطاقة الشمسية، إلى جانب التفتيش على المنشآت الخطرة، ومعالجة الشكاوى العمالية، والتنسيق مع المؤسسات الدولية لإعادة تفعيل برامج التشغيل.

ورغم أهمية هذه الجهود، فإنها تظل محاولات صمود داخل بيئة أقرب إلى الانهيار الكامل، حيث لا يمكن لأي خطة تشغيل حقيقية أن تزدهر تحت القصف والحصار وغياب الاستقرار.

ما بعد الحرب على العمل

تكشف مأساة العمال في غزة أن الحرب الحديثة لا تُقاس فقط بعدد الضحايا، بل أيضًا بقدرتها على تدمير المستقبل الاقتصادي والاجتماعي لشعب كامل. فعندما يُدمَّر العمل، لا يُدمَّر الدخل فقط، بل تُضرب الكرامة، والاستقلال، والقدرة على إعادة البناء.

وفي يوم العمال العالمي، يبدو العمال الفلسطينيين في غزة شاهدًا حيًا على واحدة من أكثر صور الظلم المعاصر قسوة: شعب يُحاصر، ويُقصف، ويُجرَّد من حقه في الحياة والعمل معًا.

الأول من مايو... وصوت تحت الأنقاض

في الوقت الذي يحتفل فيه العالم بحقوق العمال، يمر الأول من مايو في غزة كصرخة بقاء لا كاحتفال. فالعامل الفلسطيني اليوم لا يطالب فقط بأجر عادل أو ظروف أفضل، بل بأبسط الحقوق الإنسانية: أن يبقى حيًا، وأن يمتلك فرصة للعمل فوق أرضه دون أن تتحول ورشته إلى ركام.

وبينما تستمر المجازر الإسرائيلية المدعومة أمريكيًا، يبقى السؤال الأكبر: كم من الوقت يمكن للعالم أن يواصل الحديث عن العدالة الاجتماعية، بينما تُسحق طبقة عاملة بأكملها تحت أنقاض الحرب؟

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال