19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

الصحفيون الفلسطينيون: لسنا مجرد ارقام وبيانات والإدانة وحدها لاتكفي ولا تحمي

كشف منتدى الإعلاميين الفلسطينيين عن نتائج استطلاع رأي حديث يعكس واقعًا بالغ القسوة يعيشه الصحفيون في قطاع غزة، حيث أظهرت البيانات انهيارًا شبه كامل في الثقة بآليات الحماية الدولية

بقلم: سماح عثمان
٤ مايو ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
19 مشاهدة
الصحفيون الفلسطينيون

الصحفيون الفلسطينيون

كشف منتدى الإعلاميين الفلسطينيين عن نتائج استطلاع رأي حديث يعكس واقعًا بالغ القسوة يعيشه الصحفيون في قطاع غزة، حيث أظهرت البيانات انهيارًا شبه كامل في الثقة بآليات الحماية الدولية، وعجزًا واضحًا لدى المجتمع الدولي عن وقف الانتهاكات الإسرائيلية الممنهجة بحقهم. وتأتي هذه النتائج في سياق مستمر من الاستهداف منذ أكتوبر 2023، حيث تحوّل العمل الصحفي في غزة إلى مهمة محفوفة بالمخاطر اليومية، في ظل حرب مفتوحة تستهدف الإنسان والحقيقة معًا.

وأفاد الاستطلاع، الذي شمل عينة من الصحفيين داخل القطاع، بأن 91.5% من المشاركين لم يلمسوا أي أثر حقيقي للتضامن الدولي، سواء على المستوى الشخصي أو المؤسسي، بينما وصف 57.4% مستوى التضامن العالمي بأنه “ضعيف جدًا”. هذه الأرقام تعكس فجوة عميقة بين الخطاب الدولي الداعم لحرية الصحافة، والواقع الفعلي الذي يعيشه الصحفيون تحت القصف والاستهداف المباشر.

إدانة بلا أثر

في ما يتعلق بالأدوات الدبلوماسية، أجمعت نسبة 95.7% من المستطلعين على أن بيانات الإدانة الدولية لا تمثل رادعًا حقيقيًا للانتهاكات، ما يشير إلى أزمة بنيوية في آليات المساءلة الدولية. فبينما تستمر الإدانات في التكرار، يغيب أي أثر عملي على الأرض، ما يعزز شعورًا متزايدًا لدى الصحفيين بأن هذه البيانات لا تتجاوز حدود الاستهلاك الإعلامي.

كما أظهرت النتائج أن 55.3% من المشاركين يعتبرون القانون الدولي “غير فعال”، فيما رأى 36.2% أنه محدود الفعالية، مقابل 8.5% فقط اعتبروه فعالًا. هذه المؤشرات تعكس تآكل الثقة في المنظومة القانونية الدولية، التي يُفترض أن توفر الحماية للمدنيين، بمن فيهم الصحفيون، لكنها تبدو عاجزة عن فرض قواعدها في ظل الانتهاكات المستمرة.

انحياز إعلامي وصمت حقوقي

سلّط الاستطلاع الضوء أيضًا على تقييم الصحفيين الفلسطينيين لدور الإعلام الغربي والمؤسسات الحقوقية. فقد وصف 68.1% من المشاركين التغطية الدولية بأنها “غير متوازنة”، بينما اعتبرها 10.6% “منحازة ضدهم”، في إشارة إلى ما يرونه تجاهلًا أو تشويهًا للرواية الفلسطينية، مقابل تبنٍ واسع للرواية الإسرائيلية.

أما على صعيد المؤسسات الحقوقية، فقد منح 89.3% من المشاركين تقييمًا سلبيًا لدورها، معتبرين أنها لم تقدم حماية فعلية أو ضغطًا كافيًا لوقف الانتهاكات. كما رأى 83% أنه لا توجد جدية دولية في محاسبة مرتكبي الجرائم بحق الصحفيين، وهو ما يعزز ثقافة الإفلات من العقاب، ويشجع على استمرار الاستهداف.

مطالب تتجاوز التضامن

لم يكتفِ الصحفيون بتشخيص الأزمة، بل طرحوا مجموعة من المطالب العملية، حيث أكد 44.7% أن الأولوية يجب أن تكون لاتخاذ إجراءات قانونية حقيقية، تشمل ملاحقة قضائية لمرتكبي الانتهاكات، بدل الاكتفاء بالتنديد. كما طالبوا بضغط سياسي فعّال، وتوفير حماية ميدانية ملموسة، تضمن استمرار عملهم في نقل الحقيقة.

وفي رسائل مباشرة إلى المؤسسات الإعلامية الكبرى، عبّر الصحفيون عن رفضهم لاختزال معاناتهم في أرقام وتقارير، مؤكدين: “نحن لسنا مجرد أرقام في التقارير السنوية.. نحن حاملو رسالة إنسانية، ومهمتنا ليست جريمة بل كاشفة للجريمة”. هذا الخطاب يعكس شعورًا عميقًا بالتهميش، رغم الدور المحوري الذي يلعبه الصحفيون في توثيق ما يجري على الأرض.

الاستهداف كسياسة

تأتي هذه النتائج في سياق أوسع من الاستهداف المنهجي للصحافة في غزة، حيث تُظهر الوقائع منذ أكتوبر 2023 أن الانتهاكات لم تعد حوادث فردية، بل جزءًا من سياسة تهدف إلى تقييد نقل الحقيقة، وإخفاء حجم الجرائم المرتكبة بحق المدنيين. ويعزز هذا التوجه غياب المحاسبة الدولية، واستمرار الدعم الأمريكي المباشر لإسرائيل، ما يخلق بيئة تسمح بتكرار الانتهاكات دون رادع.

كما حذّر الصحفيون من أن الصمت الدولي الحالي يمثل “ضوءًا أخضر” لمواصلة التصفية الجسدية للصحافة، مطالبين بتوفير دعم مادي وتقني عاجل، يشمل معدات السلامة وأجهزة البث، إلى جانب تفعيل قوانين الحماية الدولية قبل فوات الأوان.

معركة الحقيقة

في ظل هذه المعطيات، يبدو أن الصحفيين في غزة لا يواجهون فقط خطر القصف، بل أيضًا معركة موازية ضد التهميش الدولي والانحياز الإعلامي. وبينما تتسع فجوة الثقة مع المؤسسات الدولية، تتعزز قناعة بأن حماية الصحافة لم تعد أولوية عالمية، بل ضحية أخرى لصراعات السياسة والمصالح.

وهكذا، تتحول معركة الصحفيين الفلسطينيين من مجرد نقل للأحداث إلى دفاع عن الحق في الوجود، وعن دور الصحافة كأداة لكشف الحقيقة، في مواجهة محاولات طمسها.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

الصحفيون الفلسطينيون: لسنا مجرد ارقام وبيانات والإدانة وحدها لاتكفي ولا تحمي - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°