في مشهد يبدو متناقضاً للوهلة الأولى، تعود أصوات الزغاريد لتعلو بين أحياء ما زالت آثار الدمار واضحة في تفاصيلها، وتنبعث الأغاني الخافتة من بيوت فقدت الكثير من مقومات الحياة الأساسية بعد حرب إبادة استمرت لأكثر من عامين. في قطاع غزة، حيث الألم حاضر في كل زاوية وكل ركن، يصرّ السكان على التمسك بلحظات الفرح البسيطة والمحدودة، كنوع من مقاومة الواقع القاسي الذي يحاول أن يسحق كل معنى للحياة.
عادت الأفراح خجلى في غزة، كمؤشر حياة وعلامة حيوية على نبض لا زال يسري في جسد القطاع المتخم بالجراح والآلام، لكنها عودة مختلفة تماماً عن السابق، فالفرحة لم تعج كما كانت يوماً، وحتى الطقوس والمراسم اختلفت جذرياً وقسرياً تحت وطأة الخسائر والإعاقة.
قاعات مدمرة وتكاليف باهظة
لم تعد الأعراس في غزة كما كانت سابقاً في زمن ما قبل الحرب، فالكثير من قاعات الأفراح الكبرى تضررت بشكل كامل أو خرجت عن الخدمة بسبب القصف المتعمد، وارتفاع التكاليف إلى مستويات جنونية جعل من الصعب تنظيم حفلات تقليدية كما كان يحلم الشباب والفتيات. وبدلاً من ذلك، انتشرت الأعراس المنزلية المتواضعة أو تلك التي تُقام في القاعات المنزلية الصغيرة التي تستوعب عدداً محدوداً من المدعوين، مع تقليص مدة الاحتفال ومظاهره إلى الحد الأدنى الذي لا يتجاوز ساعات قليلة. لم يعد هناك مكان للزفة الطويلة في الشوارع، ولا للزينات البراقة، ولا للموائد الممتلئة بالطعام، فقط بساطة قاسية يفرضها واقع أكثر قسوة.
عريس نازح يؤجل حلمه
العريس أمجد البالغ من العمر 27 عاماً، وهو شاب نازح من مدينة رفح جنوب القطاع ويعيش حالياً في مخيم النصيرات وسط غزة في خيمة بالية، يروي أن زفافه تأجل أكثر من مرة بسبب ظروف الحرب وما تلاها من ظروف معيشية قاسية لم تخفف حدتها حتى بعد وقف إطلاق النار.
لكنه قرر أخيراً إقامة عرسه بشكل متواضع جداً، بعيد كل البعد عن الأحلام التي كان يخطط لها هو وخطيبته سنوات طويلة، حيث قال لمراسل "المركز الفلسطيني للإعلام": "لم يكن هذا ما حلمنا به، لا أنا ولا زوجتي، كنا نخطط لحفل كبير وليلة لا تنسى، لكن في النهاية قلنا لأنفسنا: المهم أن نبدأ حياتنا ولو على خير". وأضفى أمجد على كلماته نبرة من الألم الممزوج بالأمل، مؤكداً أن الفرح اليوم في غزة ليس ترفاً أو كمالاً، بل حاجة نفسية ضرورية لمواصلة الحياة رغم كل شيء.
كراس بلاستيكية ومكبر صوت
الحال لم يختلف كثيراً بالنسبة للعريس مؤمن، الذي أُقيم حفل زفافه البسيط في ما تبقى من ساحة منزل عائلته الذي قصفت غرفة فيه واستشهد ثلاثة من أقربائه، دون قاعة أفراح فارهة أو مظاهر مكلفة تليق بليلة العمر. كانت الكراسي البلاستيكية البسيطة هي الأثاث الوحيد، مع مكبر صوت صغير وأغانٍ شعبية قديمة يرددها الحضور، لكن هذه الإمكانات الضئيلة كانت كافية لصناعة لحظة استثنائية وسط واقع خانق يحاول سرقة كل أسباب البهجة.
يختصر "محمد" المشهد الإنساني المؤثر بالقول: "نحن لا نملك الكثير من مقومات الحياة، لكننا نملك الإرادة لنعيش ونتحدى، والفرح، حتى لو كان بسيطاً ومحدوداً، هو جزء أساسي من هذه الإرادة التي لا يمكن كسرها".
عروس تحلم بفستان لم يأتِ
العروس ساجدة، وهي فتاة في الرابعة والعشرين من عمرها، قالت بصوت تخالطه مرارة الحنين إلى ما ضاع: "كنت أحلم بفستان أبيض طويل وحفل كبير يليق بحبيبي الذي انتظرته سنوات، لكن الواقع المرير فرض علينا أشياء مختلفة تماماً لم نكن نتخيلها". وأضافت: "ورغم كل النقص والقهر، شعرت بسعادة حقيقية وغامرة لأن كل من حولي حاول بيذل قصارى جهده أن يجعل هذا اليوم مميزاً بكل ما أوتي من قوة وإمكانات محدودة".
كما أشارت ساجدة إلى مشهد مؤثر آخر، حيث شارك الجيران الذين فقدوا هم أيضاً منازلهم وممتلكاتهم في تزيين المكان وتقديم المساعدة والطعام، في مشعب يعكس روح التكافل الاجتماعي النادرة التي تبرز بقوة في أوقات الأزمات والشدائد.
حكاية صمود ورسالة تحدٍ
أم أحمد، والدة العريس الشاب "أمجد"، ترى بعين الحكمة والألم أن إقامة الأعراس في هذا التوقيت العصيب تحمل رسالة أعمق بكثير من مجرد الاحتفال والزغاريد، حيث قالت بلهجتها الحزينة: "نحن لا نحتفل لأننا سعداء بكل شيء أو راضين عن ما حدث لنا ولأبنائنا، بل لأننا نريد أن نقول للعالم بأسره إن الحياة مستمرة رغم القصف والإبادة".
وتكشف أم أحمد أن العائلة بأكملها اضطرت لتقليل عدد المدعوين بشكل كبير جداً بسبب ضيق المكان المتناثر والظروف الاقتصادية الصعبة التي تعجز عن تأمين أبسط الاحتياجات. وأكدت أن "البساطة لم تكن خياراً بل أصبحت فرضاً إجبارياً على الجميع، لكننا نؤمن أن هذه البساطة لا تمنع الفرح ولا تقف حائلاً أمام السعادة الحقيقية التي تصنعها القلوب لا الأجساد والزينة".
أفراح رغم الدمار... عريس يزف عروسته بجرافة في قطاع #غزة pic.twitter.com/ACD02Nv1q1
— المركز الفلسطيني للإعلام (@PalinfoAr) May 2, 2026
تكاليف باهضة
لا تقتصر الصعوبات التي تواجه الشباب المقبلين على الزواج في غزة على الجانب اللوجستي وتوفير مكان للحفل فقط، بل تمتد إلى التكاليف الباهظة حتى لأبسط متطلبات الزواج الأساسية مثل شراء الذهب وتأثيث المنزل ودفع المهر وشراء مستلزمات العرس. كل هذه الأمور أصبحت أشبه بالمستحيل في ظل الغلاء الفاحش وتوقف الرواتب وانهيار سبل العيش، مما يجعل المقبلون على الزواج يواجهون تحديات كبيرة لا حصر لها في طريقهم نحو تكوين أسرة.
أبو جهاد، والد العروس "ساجدة"، يقول بصوت يقطر حزناً: "تكلفة الزواج في غزة اليوم أصبحت عبئاً ثقيلاً لا يطاق على أي أسرة فقيرة، اضطررنا للاستغناء عن أشياء كثيرة جداً كنا نحلم بها، وحتى قيمة المهر تم تخفيضها بشكل كبير بالاتفاق بين العائلتين المكلومتين". ويضيف أن الجميع في غزة يدرك حجم الوضع المأساوي الذي يعيشه القطاع، وهناك الآن نوع من التفاهم والتعاون الإنساني بين العائلات لم يكن موجوداً سابقاً في زمن الوفرة والنعيم.
ضرورة نفسية ملحة
يرى مختصون في علم النفس والاجتماع الفلسطيني أن عودة الأعراس إلى غزة بأي شكل تمثل استجابة طبيعية وإنسانية للضغوط الهائلة والمرعبة التي يعيشها السكان بشكل يومي ومستمر منذ اندلاع الحرب. تقول الطبيبة النفسية سماح جبر، التي تعمل في أحد مراكز الصحة النفسية بمدينة غزة، إن المعاناة النفسية في القطاع "هائلة وغير مسبوقة في تاريخ الحروب الحديثة"، نتيجة حجم الصدمات المتراكمة والخسارات الجسيمة التي طالت البشر والحجر.
وتشير الطبيبة إلى أن المجتمع الفلسطيني في غزة بأكمله يعيش اليوم تحت تأثير مستمر ومرعب من مشاعر الخوف الدائم والفقد المتكرر للأحباب والممتلكات والملاجئ، مما يخلق حالة من الانهيار النفسي الجماعي.
في هذا السياق الإنساني المعقد، يوضح الدكتور عبد الله الجمل، وهو أخصائي علاج نفسي، أن الواقع النفسي المأساوي في قطاع غزة وصل إلى مستويات حرجة وغير مسبوقة، خاصة مع استمرار تدمير البنية التحتية للصحة النفسية الذي كان هشاً أصلاً قبل الحرب.
ويؤكد الدكتور أن استمرار العدوان والحصار والتهديد لفترات طويلة جداً أدى إلى تفاقم الأزمات النفسية وتحويلها إلى وباء صامت يقتل بصمت، مما يجعل أي متنفس ولو صغيراً له أهمية كبيرة في حياة الناس. ويشير مختصون محليون ودوليون إلى أن مثل هذه الظروف القاسية تدفع الأفراد بشكل غريزي للبحث عن أي شكل من أشكال التوازن النفسي، حتى لو كان ذلك عبر مناسبات اجتماعية بسيطة ومحدودة كالأعراس التي كانت جزءاً من حياتهم الطبيعية قبل الحرب.
في لحظة واحدة، تحولت أحلام عروس غزية لكابوس دموي، بعدما اخترقت رصاصة إسرائيلية نافذة منزلها واستقرت في رأسها، قبل 10 أيام من موعد زفافها، الذي كان مقررا الجمعة الماضية، لتتحول فرحة العمر لصراع مع الموت داخل غرفة العناية المركزة.https://t.co/b3jn8M7YI2 pic.twitter.com/lbiF9biZsK
— Anadolu العربية (@aa_arabic) May 3, 2026
لحظات أمل
وتشير تقارير نفسية دولية حديثة، صادرة عن مؤسسات صحية عالمية، إلى أن التعرض المستمر والمباشر للصدمات والنزوح المتكرر والفقد الجماعي للأهل والأصدقاء أدى إلى ارتفاع حاد جداً في معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة بين أطفال غزة ونسائها وشبابها وكبارها. وهنا يصبح الأعراس الشعبية، حتى بأبسط صورها وأكثرها تواضعاً، وسيلة أساسية للتفريغ النفسي المؤقت ولإعادة بناء الروابط الاجتماعية المتصدعة التي تضررت بشدة بفعل الحرب والإبادة الجماعية.
ويرى المختصون أن هذه المناسبات الاجتماعية المتواضعة تمنح الأفراد "لحظات تعافٍ مؤقتة" من وطأة الألم اليومي، وتساعدهم بشكل كبير على الاستمرار في مواجهة واقع لا يحتمل، حتى ولو كانت هذه اللحظات مجرد وميض سريع من الضوء في نفق مظلم طويل.
وتؤكد تقديرات منظمة الصحة العالمية ووكالات الأمم المتحدة العاملة في الميدان أن احتياجات الصحة النفسية في قطاع غزة سوف تستمر لفترة طويلة جداً تمتد لسنوات وعقود قادمة، وأن التعافي النفسي الحقيقي هو عملية ممتدة ومعقدة تتطلب دعماً متواصلاً على جميع المستويات المحلية والدولية.
ورغم كل ما سبق من ألم وجلاد وفقد، فإن الأعراس في غزة اليوم لا تُقاس بعدد المدعوين الذين تفرقت بهم السبل ولا بفخامة القاعات التي دمرتها الطائرات، بل تُقاس بقدرة الناس المذهلة على انتزاع لحظة حياة واحدة من قلب الموت. هنا في غزة، أصبح الفرح البسيط فعل مقاومة هادئ وصامت، وتغدوت الزغاريد الشعبية رسالة تحدٍ صارخة وعالية في وجه واقع يثقل كاهل الجميع بالهموم والأتربة والدماء والحجارة.
غزة.. حكاية شعب يرفض الموت
قد تكون هذه الأعراس الفلسطينية ناقصة ومبتورة في كل تفاصيلها المادية، باهتة باهضة في زينتها البراقة التي افتقدتها، لكنها مكتملة ومذهلة في معناها الإنساني العميق الذي يفوق أي وصف. ففي كل عريس فلسطيني يبتسم رغم الخسارة الفادحة التي ألمت به وبأسرته، وفي كل أم تهتف وتزغرد والدمع الساخن ينهمر من عينيها على خديها، هناك حكاية كاملة لشعب صامد وعظيم يرفض أن يتخلى عن حقه الطبيعي في الحياة والفرح مهما كان الثمن.
وبينما تستمر الأزمات والانتهاكات والحصار الظالم، تبقى هذه اللحظات القصيرة جداً من الفرح شاهداً مظلوماً على حقيقة إنسانية لا يمكن قتلها أو كسرها مهما بلغت قسوة الظروف، ألا وهي أن الإنسان الفلسطيني في غزة، مهما اشتدت عليه الظروف ومهما تكالب عليه الأعداء، سيظل باحثاً حثيثاً ومصراً على الضوء حتى لو كان هذا الضوء خافتاً ومتعباً وبالكاد يُرى بين أكوام الركام والدمار والموت المنتشر في كل مكان.







