أثارت صور أقمار صناعية التقطت فوق جزيرة خرج الإيرانية، مركز تصدير النفط الأهم في إيران، موجة واسعة من التساؤلات بشأن احتمال وقوع تسرب نفطي في محيط المرافئ النفطية الحساسة، وسط التوتر المتصاعد في الخليج والحصار البحري المتبادل بين طهران وواشنطن.
ونشرت منصة سوار أطلس صوراً التقطتها أقمار “سنتينل” التابعة لبرنامج “كوبرنيكوس” الأوروبي بتاريخ 6 مايو الجاري، أظهرت ما وصفته بـ”بقع زيتية محتملة” قرب الساحل الغربي لجزيرة خرج، بالتزامن مع رسو ثلاث ناقلات نفط في مرافق التحميل التابعة للجزيرة.
وأظهرت الصور ناقلة متوقفة عند رصيف “آذرباد” غرب الجزيرة، محاطة بامتدادات فضية لامعة على سطح المياه، في نمط بصري قالت المنصة إنه قد يشير إلى تسرب نفطي أو انبعاث مواد زيتية في البحر، بينما ظهرت ناقلات أخرى مصطفة عند الرصيف الشرقي المخصص لتحميل النفط الخام.
ويكتسب هذا التطور حساسية استثنائية، نظراً لأن جزيرة خرج تمثل الشريان الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية، خصوصاً في ظل المواجهة المستمرة مع الولايات المتحدة ومحاولات طهران الحفاظ على تدفق صادراتها رغم الحصار والعقوبات والتهديدات العسكرية في مضيق هرمز.
انجراف جنوباً وتراجع بالحجم
وفي تحديث لاحق، نشرت المنصة صوراً جديدة بتاريخ 7 مايو، أظهرت تحرك البقعة الزيتية المحتملة ببطء نحو جنوب الجزيرة، مع انخفاض نسبي في حجمها، لكنها ظلت واضحة بشكل لافت في المياه المحيطة بالموقع.
وقالت المنصة إن السبب الحقيقي لهذه الظاهرة لا يزال غير محسوم، مشيرة إلى وجود عدة تفسيرات متداولة، من بينها احتمال حدوث تسربات مرتبطة بإعادة تشغيل ناقلات قديمة، أو تنفيذ عمليات تشغيلية داخل الميناء النفطي أدت إلى انبعاث مواد بترولية إلى سطح البحر.
ويعكس هذا الغموض حجم التعقيد المحيط بحركة النفط الإيرانية خلال المرحلة الحالية، خاصة مع لجوء طهران إلى أساليب نقل وشحن غير تقليدية للالتفاف على القيود الأمريكية، بما يشمل إطفاء أنظمة التتبع البحري، وتنفيذ عمليات نقل من سفينة إلى أخرى، واستخدام ناقلات قديمة أو غير معلنة الهوية.
كما تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه الخليج حالة استنفار بحري واسعة، بعد إعلان الولايات المتحدة بدء تنفيذ “مشروع الحرية” لتأمين مرور السفن في مضيق هرمز، وهو ما تعتبره إيران محاولة لفرض وصاية عسكرية أمريكية على أحد أهم الممرات المائية في العالم.
ناقلات تحت المراقبة
من جهتها، قدمت منصة Tanker Trackers تفسيراً أكثر تفصيلاً للمشهد الظاهر في صور الأقمار الصناعية، معتبرة أن الناقلة العملاقة الراسية عند رصيف “آذرباد” بدت وكأنها تُسرّب مادة يُرجح أنها “ديزل” من منطقة المؤخرة اليمنى للسفينة.
وأكدت المنصة أن شكل البقعة الظاهرة لا يشبه التسربات التقليدية للنفط الخام في عرض البحر، ما يعزز فرضية أن المادة المتسربة قد تكون مرتبطة بوقود السفن أو أنظمة التشغيل الداخلية للناقلة، وليس بشحنة الخام نفسها.
وفي ما يتعلق بالناقلات الثلاث الظاهرة في المرفأ الشرقي للجزيرة، أوضحت المنصة أن اثنتين منهما من فئة الناقلات العملاقة “VLCC”، وكانتا قد بدأتا التحميل قبل يوم من التقاط الصور، وبالتالي لا تمثلان حركة استثنائية جديدة.
أما الناقلة الثالثة، وهي من فئة “Aframax”، فقد بدأت عمليات التحميل في 5 مايو عند الساعة الخامسة والنصف مساءً بتوقيت غرينتش، ما يشير إلى استمرار النشاط التصديري الإيراني رغم التوترات الإقليمية والمخاطر الأمنية المتزايدة.
خرج في قلب المعركة النفطية
تكشف هذه الصور حجم الضغوط التي تواجهها إيران في إدارة صادراتها النفطية خلال واحدة من أكثر الفترات توتراً في الخليج منذ سنوات، حيث تحولت جزيرة خرج إلى نقطة ارتكاز مركزية في معركة الطاقة الدائرة بين طهران وواشنطن.
فالجزيرة، التي تمر عبرها غالبية صادرات النفط الإيرانية، أصبحت تحت مراقبة استخباراتية وتجارية دقيقة، سواء من شركات تتبع السفن أو الأقمار الصناعية الغربية، في ظل سعي الولايات المتحدة إلى تشديد الحصار على صادرات النفط الإيرانية.
وفي المقابل، تبدو طهران مصممة على إبقاء صادراتها مستمرة بأي ثمن، باعتبار النفط الورقة الاقتصادية الأهم في معركتها مع الغرب، خصوصاً بعد الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وما تبعها من ضغوط مالية واقتصادية واسعة.
كما يعكس تصاعد الاهتمام الدولي بأي حادث أو تسرب محتمل قرب خرج حجم القلق العالمي من هشاشة الوضع في الخليج، حيث يمكن لأي حادث فني أو أمني محدود أن يتحول سريعاً إلى أزمة إقليمية تؤثر في أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.
وفي ظل غياب أي توضيح رسمي إيراني حتى الآن بشأن طبيعة البقع المرصودة، تبقى التساؤلات مفتوحة حول ما إذا كانت الحادثة مجرد خلل تقني محدود، أم مؤشراً إضافياً على الضغوط التشغيلية والأمنية التي باتت تحيط بمنظومة تصدير النفط الإيرانية في قلب المواجهة الجيوسياسية المحتدمة في الخليج.








