أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الجمعة، أن الولايات المتحدة لا تزال تنتظر رد إيران بشأن المفاوضات غير المباشرة التي تجري عبر وسطاء، معرباً عن أمله في تلقي "رد عقلاني" من القيادة الإيرانية من شأنه أن يفتح الباب أمام عملية تفاوض جادة وحاسمة لإنهاء الحرب المستعرة منذ أكثر من شهرين.
وأضاف روبيو، في تصريحات حاسمة من العاصمة الإيطالية روما التي يزورها حالياً، أن "يجب أن نحصل على رد إيران اليوم"، مشيراً إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تأمل في أن يقود الرد الإيراني المرتقب إلى "عملية مفاوضات جادة" تحقق أهداف الجانبين. وتأتي هذه التصريحات بعد ليلة دامية شهدت تبادلاً لإطلاق النار بين القوات الأمريكية والإيرانية في مضيق هرمز، مما ألقى بظلال ثقيلة على فرص التوصل إلى اتفاق سريع لإنهاء الحرب.
وفي تطور يعكس تعقيد المشهد العسكري والسياسي، أكد روبيو أن الرئيس ترامب لم يقرر بعد كيفية الرد المبدئي على رفض العديد من الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، وتحديداً داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، السماح للجيش الأمريكي باستخدام قواعدهم العسكرية في عملياته ضد إيران. وقال روبيو: "إذا كان أحد الأسباب الرئيسية لوجود الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي هو القدرة على نشر قوات في أوروبا يمكن استخدامها في حالات طارئة أخرى مثل هذه، ولم يعد ذلك ممكنًا الآن، على الأقل لدى بعض أعضاء الحلف، فهذه مشكلة خطيرة يجب النظر فيها وتقييمها بدقة".
واعتبر مراقبون أن هذه التصريحات تمثل تهديداً غير مباشر لحلفاء واشنطن الأوروبيين، وتلميحاً إلى أن الولايات المتحدة قد تعيد تقييم التزاماتها تجاه الناتو إذا لم تقدم هذه الدول تسهيلات عسكرية في الحروب القادمة.
التبادل الليلي في هرمز
شهد مضيق هرمز، خلال ساعات ليل الخميس إلى الجمعة، تبادلاً عنيفاً لإطلاق النار بين القوات الأمريكية والإيرانية، في حادثة رفعت منسوب التوتر بشكل حاد وأثارت شكوكاً واسعة حول إمكانية توصل الطرفين بسرعة إلى أي اتفاق ينهي الحرب.
وأكدت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم"، في بيان عاجل، أن القوات الإيرانية أطلقت صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه ثلاث سفن حربية أمريكية كانت تقوم بمهام مراقبة وتأمين في المضيق، لكن الصواريخ والمسيرات الإيرانية فشلت في إصابة الأهداف الأمريكية. وأضافت القيادة أن القوات الأمريكية "أحبطت التهديد بنجاح"، وردت فوراً باستهداف قواعد برية إيرانية في محيط المضيق، دون أن تذكر المزيد من التفاصيل حول حجم الأضرار التي لحقت بهذه القواعد.
من جانبها، قالت وزارة الخارجية الأمريكية على لسان روبيو إن إيران "هاجمت سفناً أمريكية في مضيق هرمز الليلة الماضية"، مضيفاً أن الولايات المتحدة ردت على ذلك "في إطار الدفاع المشروع عن النفس" كما هو منصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة. وأوضح روبيو أن الضربات الأمريكية التي نُفذت فجر الجمعة على القواعد الإيرانية "كانت منفصلة تماماً عن عملية الغضب الملحمي" التي تشنها أمريكا وإسرائيل ضد إيران منذ فبراير، مشيراً إلى أن هذه الضربات كانت رداً مباشراً وفورياً على الهجوم الإيراني على السفن الحربية.
وشدد روبيو على أن المبدأ الأمريكي واضح: "إذا أُطلقت صواريخ على أمريكا فسوف نرد بقوة، بغض النظر عن الظروف أو التوقيت أو المكان". وذكر تقرير إيراني أن مسؤولاً في طهران أفاد بإصابة عشرة أشخاص وفقدان خمسة من طاقم سفينة تجارية إيرانية إثر هجوم أمريكي قرب المضيق، لكن واشنطن نفت بشكل قاطع أي استهداف لسفن مدنية.
تضارب التصريحات والمعلومات الاستخباراتية
أفاد محللون بأن هناك "تضاربًا كبيرًا ومريباً" في تصريحات المسؤولين الأمريكيين الكبار، وكذلك في المعلومات الاستخباراتية التي تعتمد عليها واشنطن لتقييم قدرات إيران ونواياها.
تجدر الإشارة إلى أن تسريبات صادرة عن مسؤولين أمريكيين في وسائل إعلام عدة تحدثت مؤخراً عن قدرة الإيرانيين المذهلة على امتصاص الضربات العسكرية الهائلة والتكيف مع الأزمات الاقتصادية الخانقة، رغم العقوبات المفروضة عليهم منذ أربعة عقود. كما أن الولايات المتحدة تعاني حالياً مما وصفه بـ"فقر المعلومات الاستخباراتية" الدقيقة عن الوضع الداخلي في إيران، مما يجبرها على إعادة حساباتها العسكرية باستمرار وتغيير خططها بشكل متكرر ومربك.
ولعل أبرز دليل واضح على هذا "التخبط" الاستخباراتي والسياسي هو ما أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أيام فقط بشأن عملية عسكرية واسعة تحمل اسم "الحرية" كانت تهدف إلى فك الحصار الإيراني عن مضيق هرمز بالقوة العسكرية، قبل أن يتم إلغاء العملية تماماً بعد أقل من يومين من الإعلان عنها.
وترى تحليلات أن هذا التغيير المفاجئ في الخطط يشير إلى وجود ارتباك كبير في غرف القيادة الأمريكية، وخلافات حادة بين مختلف الأجهزة (الخارجية، البنتاغون، الاستخبارات المركزية) حول أفضل السبل للتعامل مع التحدي الإيراني.
أيضا، ترامب يتحدث في العلن من جهة عن وجود "مفاوضات جادة" مع إيران، ومن جهة أخرى يلوح بتوجيه "ضربات قاسية ومؤلمة" إذا لم توافق طهران على الاتفاق المطروح، مما يعكس انقساماً أو تناقضاً في الرؤية داخل الإدارة الأمريكية نفسها.
السيطرة على هرمز
في شأن آخر متصل، اعتبر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن سيطرة إيران الكاملة على مضيق هرمز هي "أمر غير مقبول بتاتاً"، وذلك عقب تقارير تحدثت عن أن طهران شرعت فعلياً في إنشاء هيئة خاصة للإشراف على الممر البحري الحيوي وإدارة حركة الملاحة فيه، على خلفية الحرب المستعرة مع الولايات المتحدة.
وقال روبيو في تصريحاته للصحافيين: "تزعم إيران حاليًا وبكل صراحة أنها تملك الحق الحصري بالسيطرة على ممر مائي دولي... هذا أمر غير مقبول على الإطلاق، وهم يحاولون تطبيعه وفرضه كأمر واقع على المجتمع الدولي". وأضاف روبيو أن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا التطور الخطير، وأنها ستعمل مع حلفائها في المنطقة والعالم لضمان بقاء المضيق ممراً مائياً مفتوحاً للجميع دون سيطرة أو هيمنة من أي دولة.
وتزامنت تصريحات روبيو العدائية مع ما نقلته وكالة "مهر" الإيرانية عن مسؤول إيراني رفيع، أفاد بتعرض سفينة تجارية إيرانية لهجوم أمريكي قرب مضيق هرمز، أسفر عن إصابة عشرة من طاقمها وفقدان خمسة آخرين. واعتبرت طهران هذا الهجوم انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وامتداداً لسياسات القرصنة الأمريكية التي يمارسها الجيش الأمريكي في المياه الإقليمية والدولية.
وأعلنت القوات المسلحة الإيرانية أنها سترد على هذا العدوان في الوقت والمكان المناسبين، مؤكدة أنها لن تسمح لأمريكا بفرض إرادتها على طهران أو على حركة الملاحة الدولية في المنطقة الحيوية. كما جددت إيران تأكيدها أن السيطرة على مضيق هرمز هي حق طبيعي ومشروع للدولة الإيرانية، نظراً لوقوع الممر المائي بالكامل ضمن مياهها الإقليمية، وأن أي تدخل أمريكي في هذا الشأن هو تدخل في الشؤون الداخلية لإيران.
تخبط أمريكي بين خيارين: حرب طويلة أم تراجع ذليل؟
يقرأ المحللون السياسيون المرحلة الحالية من الصراع الأمريكي الإيراني على أنها مرحلة "تخبط استراتيجي" أمريكي أكثر من أي شيء آخر، فمن جهة، تدرك واشنطن أن خيار الحرب الشاملة مع إيران قد يكون مكلفاً جداً وقد لا يحقق الأهداف المرجوة (كما فشلت الحروب السابقة في أفغانستان والعراق).
ومن جهة أخرى، لا تستطيع الإدارة الأمريكية تحمل وطأة الاعتراف بالهزيمة أو التراجع عن تهديداتها، خاصة مع قرب الانتخابات الرئاسية. ولهذا، نجدها تتخبط بين الدعوات لـ"مفاوضات جادة" من جهة، والتهديد بـ"ضربات قاسية" من جهة أخرى، وبين التحدث عن "تقدم كبير" في المفاوضات وإلغاء عمليات عسكرية كبيرة بعد الإعلان عنها. وقد أقرّ روبيو نفسه بهذا التخبط عندما قال إن ترامب لم يقرر بعد كيفية الرد على رفض الحلفاء تقديم قواعد عسكرية، مما يعني أن الاستراتيجية الأمريكية الكاملة تجاه إيران لا تزال قيد الإعداد والتجهيز.
وفي هذه الأثناء، تستمر إيران في تعزيز سيطرتها على مضيق هرمز، وتوسيع نطاق هجماتها على السفن العسكرية والتجارية التي تحاول انتهاك حظرها، ورفع قدراتها على امتصاص الضربات والاستمرار في الحرب. وتبدو طهران أكثر صبراً واستعداداً لتحمل الألم لفترة أطول من الولايات المتحدة، خاصة أنها تعتبر هذه الحرب وجودية ومصيرية، بينما تعتبرها واشنطن مجرد "عملية عسكرية محدودة" يمكن التراجع عنها إذا كلفت ثمناً باهضاً.
وربما كان السؤال الأكثر إلحاحاً الآن: هل ستقدم إيران على الرد على المهلة الأمريكية خلال ساعات، أم أنها ستتجاهلها وتواصل استراتيجية الصبر الاستراتيجي؟ وماذا ستفعل أمريكا إذا لم تحصل على الـ"رد العقلاني" الذي تنتظره؟ هل ستضرب بقوة أم ستتراجع وتخفض سقف مطالبها؟ الأجوبة قد تكون خلال أيام، أو حتى ساعات.
واشنطن تنتظر "رداً عقلانياً" من طهران
في حصيلة ما تقدم، يبدو أن الإدارة الأمريكية قد وصلت إلى قناعة ضمنية بأنها غير قادرة على إجبار إيران عسكرياً على الرضوخ لشروطها، وأن الخيار الوحيد المتبقي أمامها هو البحث عن مخرج دبلوماسي يحفظ ماء الوجه في وقت واحد. فتصريحات روبيو التي تنتظر "رداً عقلانياً" من طهران، والتي تتحدث عن أملها في "عملية مفاوضات جادة"، تكشف عن حالة من الضعف وليس القوة. فالقوي لا ينتظر "رداً عقلانياً" من خصمه، بل يفرض شروطه بقوة السلاح.
لكن واقع الميدان يقول إن القوة العسكرية الأمريكية لم تنجح في تحقيق أي من أهدافها المعلنة: لم تمنع إيران من الرد، ولم توقف صواريخها وطائراتها المسيرة، ولم تستطع تأمين الملاحة في المضيق. ولهذا، فإن أي مفاوضات مستقبلية بين واشنطن وطهران لن تكون من موقع قوة أمريكية، بل من موقع مساواة أو ربما تفوق إيراني نسبي.
ويبقى السؤال الأهم الذي يطرحه الجميع: هل ستنجح الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية في تحقيق ما فشلت فيه الآلاف من القنابل والصواريخ؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن ساعة الحسم في الصراع بين أمريكا وإيران قد دخلت مراحلها الأخيرة.







