في تطور أمني يحمل أبعادًا تتجاوز مجرد عملية اعتقال تقليدية، أعلنت السلطات السورية تنفيذ عملية نوعية أسفرت عن القبض على جلال عبد الحميد المالح، المعروف بلقب “الطحان”، أحد أبرز العناصر المرتبطين بمنظومة القمع التابعة للنظام السوري المخلوع بقيادة بشار الأسد، في خطوة تعكس تصاعد مسار ملاحقة الشخصيات المتهمة بارتكاب انتهاكات وجرائم واسعة خلال سنوات الثورة السورية والحرب الطويلة التي مزقت البلاد.
وجاءت العملية، التي نفذتها إدارة مكافحة الإرهاب بالتعاون مع قيادة الأمن الداخلي في منطقة الزبداني بريف دمشق، لتسلط الضوء مجددًا على التحولات العميقة التي تشهدها سوريا بعد سقوط النظام السابق، خصوصًا في ما يتعلق بمحاولات تفكيك الشبكات الأمنية القديمة التي شكّلت العمود الفقري لمنظومة الأسد الأمنية والعسكرية طوال سنوات الصراع.
واكتسبت العملية دلالة رمزية خاصة بسبب مكان تنفيذها في الزبداني، المدينة التي تحولت خلال سنوات الحرب إلى واحدة من أبرز ساحات المواجهة بين قوات النظام السابق وفصائل المعارضة المسلحة، وشهدت حصارًا عسكريًا قاسيًا وعمليات تدمير واسعة وانتهاكات تركت جروحًا عميقة في الذاكرة السورية. ولذلك، فإن اعتقال شخصية ارتبط اسمها بأعمال القمع في هذه المنطقة تحديدًا يُنظر إليه بوصفه رسالة سياسية وأمنية تتجاوز حدود الملف الجنائي المباشر.
آلة القمع القديمة
بحسب المعطيات التي رافقت الإعلان عن العملية، فإن جلال عبد الحميد المالح لم يكن مجرد عنصر أمني عادي داخل أجهزة النظام السابق، بل ارتبط اسمه بسلسلة من الممارسات التي تعكس طبيعة المنظومة الأمنية التي حكمت سوريا لعقود، والقائمة على الاغتيالات والتصفية والاختراق الأمني وتسليم المعارضين إلى أجهزة التعذيب والسجون سيئة السمعة.
ولقب “الطحان” الذي اشتهر به المالح لم يكن مجرد اسم حركي، بل ارتبط في المخيال الشعبي السوري بدوره في “سحق” المعارضين وملاحقتهم، سواء عبر عمليات القتل المباشر أو من خلال تسليم المطلوبين والمنشقين إلى الأفرع الأمنية المعروفة بممارساتها الوحشية، مثل فرع 227 وسجن صيدنايا وأجهزة المخابرات الجوية.
وتتهمه السلطات الحالية بالتورط في جريمتين بارزتين على الأقل، أولاهما قتل الملازم المنشق محمد عيسى، الذي انشق عن جيش النظام والتحق بصفوف المعارضة، في واحدة من الملفات التي تعكس سياسة النظام السابق في تصفية المنشقين لمنع انهيار بنيته العسكرية من الداخل. أما القضية الثانية فتتعلق بتسليم القيادي عبد الله محرز، المنتمي إلى حركة “أحرار الشام”، إلى قوات النظام، حيث قتل لاحقًا تحت التعذيب داخل المعتقلات.
ولا تبدو هذه الملفات منفصلة عن السياق الأوسع الذي حكم أداء أجهزة الأسد الأمنية خلال سنوات الحرب، إذ اعتمد النظام بصورة واسعة على شبكات من المخبرين والعناصر المحلية لتنفيذ عمليات الاغتيال والرصد والتسليم، خصوصًا في المناطق التي شهدت مواجهات عنيفة مثل ريف دمشق والزبداني والغوطة ودرعا.
تفكيك دولة الظل
اعتقال “الطحان” يأتي ضمن سياق أوسع يشير إلى أن السلطات السورية الجديدة بدأت فعليًا الانتقال من مرحلة تثبيت السيطرة السياسية إلى مرحلة تفكيك البنية الأمنية العميقة التي تركها النظام السابق، وهي المهمة التي تُعتبر من أكثر الملفات تعقيدًا وخطورة في سوريا ما بعد الأسد.
ففي الفترة نفسها، أعلنت وزارة الداخلية توقيف ضباط كبار برتب رفيعة، بينهم العميد سهل فجر حسن، المتهم بالمشاركة في عمليات قمعية واسعة، والعميد خردل أحمد ديوب، الذي شغل رئاسة فرع المخابرات الجوية في درعا، وسط اتهامات تتعلق بالإشراف على هجمات كيماوية وعمليات اغتيال منظمة.
وتشير هذه الاعتقالات المتزامنة إلى أن السلطات الجديدة تحاول بناء مقاربة ممنهجة تقوم على استهداف البنية القيادية والشبكات الميدانية للنظام السابق، وليس الاكتفاء بملاحقة الأفراد بشكل عشوائي أو انتقامي. كما تعكس إدراكًا متزايدًا بأن بقاء هذه الشبكات دون تفكيك قد يهدد أي محاولة لإعادة بناء الدولة أو فرض الاستقرار الأمني خلال المرحلة المقبلة.
ويكتسب هذا المسار أهمية مضاعفة بسبب الطبيعة المركبة للنظام الأمني السابق، الذي لم يكن مجرد مؤسسات رسمية تقليدية، بل شبكة معقدة من الأجهزة والمخبرين والمليشيات المحلية والولاءات المتداخلة، ما يجعل عملية تفكيكه تتطلب سنوات طويلة من العمل الأمني والقضائي والسياسي.
العدالة أم الانتقام
ورغم الترحيب الشعبي الواسع باعتقال شخصيات متهمة بارتكاب جرائم خلال سنوات الحرب، فإن هذه العمليات تفتح في الوقت نفسه نقاشًا حساسًا حول طبيعة العدالة الانتقالية المطلوبة في سوريا، وحدود الفصل بين المحاسبة القانونية والرغبة الشعبية في الانتقام من رموز النظام السابق.
ويرى مراقبون أن نجاح المرحلة الانتقالية في سوريا لن يُقاس فقط بعدد المعتقلين من فلول النظام السابق، بل بقدرة المؤسسات الجديدة على إدارة هذا الملف ضمن إطار قانوني شفاف يضمن التحقيقات العادلة والمحاكمات الواضحة، بعيدًا عن منطق الثأر أو التصفيات السياسية.
وتبرز هذه المخاوف بشكل خاص في ظل الإرث الثقيل الذي خلفته سنوات الحرب، حيث لا تزال آلاف العائلات السورية تنتظر معرفة مصير أبنائها المختفين داخل السجون، بينما يحمل كثير من السوريين ذاكرة مثقلة بالتعذيب والقمع والتهجير والمجازر، ما يجعل أي إخفاق في إدارة ملف العدالة الانتقالية خطرًا قد يهدد بإعادة إنتاج دوامات العنف والانقسام.
وفي المقابل، فإن تجاهل ملفات الانتهاكات أو القبول بإفلات المتورطين من العقاب قد يقوض أيضًا ثقة السوريين بالمؤسسات الجديدة، ويُبقي جراح الحرب مفتوحة دون أي أفق للمصالحة الوطنية الحقيقية.
سوريا ما بعد الأسد
تكشف قضية “الطحان” حجم التعقيدات التي تواجه سوريا في مرحلة ما بعد الأسد، حيث يتقاطع الأمن بالعدالة، وتتشابك مطالب المحاسبة مع تحديات إعادة بناء الدولة وترميم المجتمع المنهك بعد سنوات طويلة من الحرب.
فالسلطات الجديدة تجد نفسها أمام مهمة مزدوجة: من جهة، ضرورة تفكيك إرث المنظومة الأمنية القديمة ومنع إعادة تشكلها، ومن جهة أخرى، بناء نموذج مختلف للدولة لا يعيد إنتاج القمع ذاته تحت شعارات جديدة.
ويبدو أن الرهان الأكبر اليوم يتمثل في قدرة سوريا على تحويل ملفات الاعتقال والمحاسبة إلى جزء من مشروع عدالة انتقالية متكامل، يشمل كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وتعويض الضحايا وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات، بدل الاكتفاء بإجراءات أمنية معزولة قد تفقد معناها السياسي والأخلاقي مع مرور الوقت.
وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى اعتقال جلال عبد الحميد المالح باعتباره مجرد سقوط عنصر أمني سابق، بل بوصفه اختبارًا مبكرًا لمسار سوريا الجديدة: هل تتجه البلاد فعلًا نحو دولة قانون ومحاسبة، أم أن إرث الأجهزة الأمنية سيظل يتحكم بمستقبلها حتى بعد سقوط النظام الذي صنعه؟








