في خطوة وصفتها وزارة الحرب الأمريكية (البنتاجون) بأنها "غير مسبوقة"، أطلقت الإدارة الأمريكية رسمياً، في الثامن من مايو 2026، موقعاً إلكترونياً حكومياً متخصصاً، لنشر كم هائل من الوثائق رفعت عنها السرية بشأن ما يعرف بـ"الظواهر الشاذة غير المحددة" أو بالأجسام الطائرة المجهولة.
وجاء هذا الإفصاح التاريخي بعد توجيهات رئاسية مباشرة من الرئيس دونالد ترامب، الذي أمر في فبراير الماضي جميع الوكالات الفيدرالية بالكشف عن ملفات تتعلق بـ"الحياة الفضائية والظواهر الجوية غير المحددة والأجسام الطائرة المجهولة".
وتضمنت الدفعة الأولى من الإصدارات 162 ملفاً و161 ملفاً في روايات متفاوتة، شملت صوراً ومقاطع فيديو وتسجيلات استخباراتية وتقارير عسكرية وشهادات شهود عيان، تعود إلى فترات زمنية تمتد من أربعينيات القرن الماضي وحتى الوقت الحاضر .
وقال وزير الدفاع بيت هيجسيث، في بيان نُشر على الموقع الجديد، إن "هذه الملفات، التي ظلت مخبأة خلف التصنيفات السرية، أثارت تكهنات مبررة لفترة طويلة، وحان الوقت ليرى الشعب الأمريكي ذلك بنفسه".
وأضاف البنتاجون في بيان له أن "الشعب الأمريكي يستطيع الآن الوصول إلى ملفات الحكومة الفيدرالية التي رفعت عنها السرية بشأن الظواهر الشاذة غير المحددة على الفور، دون الحاجة إلى تصريح أمني".
وفي تعليق عبر منصة "تروث سوشيال"، كتب ترامب معتبراً أن هذه الخطوة تمثل "مستوى غير مسبوق من الشفافية"، مضيفاً: "بينما فشلت الإدارات السابقة في أن تكون شفافة بشأن هذا الموضوع، فإنه مع هذه الوثائق ومقاطع الفيديو الجديدة، يمكن للناس أن يقرروا بأنفسهم: ما الذي يحدث بحق الجحيم؟".
تفاصيل وثائق الأجسام الطائرة
عند التعمق في الملفات التي تم رفع السرية عنها، يجد الباحث عن الحقيقة نفسه أمام خليط مذهل من الظواهر التي تتراوح بين الغامض والعلمي. فالمجموعة، التي تضم 120 ملفاً بصيغة PDF و28 مقطع فيديو و14 صورة فوتوغرافية، لا تقتصر على سماء الأرض فقط، بل تمتد إلى الفضاء الخارجي.
وتكشف الملفات، التي أعدتها عدة وكالات حكومية أمريكية كبرى مثل وزارة الدفاع، ووزارة الخارجية، ووكالة ناسا، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، تسجيلات هامة من بعثات "أبولو" التاريخية . فعلى سبيل المثال، يشير تقرير إلى أن طاقم أبولو 17 أبلغ عن رؤية "جسيمات أو شظايا شديدة السطوع" تتطاير بالقرب من مركبتهم الفضائية .
أما على الأرض، فتظهر الوثائق مشاهد أكثر غرابة. فقد تضمنت الملفات مشاهد بالأشعة تحت الحمراء تم التقاطها في عام 2013، تظهر جسماً غير معروف يتحرك فوق سطح المحيط، ويقوم بما وصفته التقارير بأنه "انعطافات متعددة بزاوية 90 درجة" بسرعة عالية.
وفي منطقة الشرق الأوسط، كانت المفاجأة حاضرة، حيث رصدت طائرات أمريكية في الأول من يونيو 2024 جسماً غير عادي فوق مياه دولة الإمارات العربية المتحدة، وصف في تقرير المهمة بأنه "يتكون من جسم به عمود أو قضيب عمودي متصل بأسفله"، ويشبه في شكله "قطرة ماء مقلوبة". وبالإضافة إلى ذلك، يذكر أحد وثائق مكتب التحقيقات الفيدرالي مقابلة مع طيار طائرة بدون طيار، أفاد فيها أنه رأى في سبتمبر 2023 "جسماً خطياً" يضيء بضوء قوي بما يكفي لرؤية "خطوط داخل الضوء"، ثم اختفى الجسم بعد 5 إلى 10 ثوان .
بين الشفافية المطلقة وضغوط المشرعين
لم تكن هذه الخطوة وليدة اللحظة، بل جاءت تتويجاً لضغوط سياسية متزايدة على البنتاجون من قبل الكونغرس. ففي الثاني والعشرين من ديسمبر 2022، أمر الكونجرس البنتاجون ببدء الإفراج عن عقود من الملفات السرية عن الأجسام الطائرة المجهولة، بعد أن شارك بعض أفراد الجيش تجاربهم مع طائرات غير مفسرة .
وزادت حدة هذه الضغوط بشكل كبير في الآونة الأخيرة، حيث قامت النائبة الجمهورية آنا بولينا لونا، رئيسة "الفريق العامل المعني برفع السرية عن الأسرار الفيدرالية" في مجلس النواب، بالضغط على البنتاجون لعدة أشهر للإفراج عن 46 مقطع فيديو متعلق بالأجسام الطائرة المجهولة حددها مخبرون .
وفي هذا السياق، يرى المراقبون أن البنتاجون، الذي تعرض لانتقادات حادة من دعاة الشفافية لسنوات، وجد نفسه مضطراً لتقديم هذه "التنازلات" لإظهار درجة من التعاون، بينما يظل السؤال حول اكتمال هذه الصورة قائماً . وتحاول الإدارة من خلال هذه الخطوة تقديم نفسها كحكومة شفافة، وهو ما قالته في بيانها: "بينما سعت الإدارات السابقة إلى تشويه مصداقية الشعب الأمريكي أو ثنيه، فإن الرئيس ترامب يركز على توفير أقصى درجات الشفافية للجمهور، الذين يمكنهم في النهاية تكوين آرائهم الخاصة حول المعلومات الواردة في هذه الملفات" .
تحليق في المجال الجوي المحظور
على الجانب الآخر من الجدل السياسي، لا تزال التحليلات الفنية لهذه الظواهر تثير قلق خبراء الأمن القومي. ففي حديث لشبكة "فوكس نيوز" نقل عن الصحفي الاستقصائي جيريمي كوربل، الخبير في الظواهر الجوية الغامضة، تحذيرات شديدة اللهجة مما وصفها بقدرة هذه المركبات على مناورة القوات الأمريكية.
وأكد كوربل أن هذه الظواهر أصبحت تشكل "تهديداً للأمن القومي"، مشيراً إلى أنها تمتلك قدرات مذهلة مثل "الحركة الآنية"، حيث يمكنها تغيير السرعة فجأة دون فترة انتقالية أو محرك مرئي، وهو أمر "محير لمجتمع الاستخبارات" .
وقال كوربل إن مقاطع الفيديو الجديدة تظهر أن هناك "آلات ومركبات من أصل غير معروف تحلق بحصانة في مجالنا الجوي المحظور"، مضيفاً: "لقد ظلت حكومتنا تقيم هذا كتهديد وطني لعقود من الزمن. لقد انكشف الأمر الآن، ويدرك الناس أن الأجسام الطائرة المجهولة حقيقية".
وأشار إلى مقطع فيديو بطائرة "ريبر" المسيرة، أظهر جسماً يبدو أنه انطلق فجأة إلى اليمين بمجرد أن حصلت الطائرة على قفل سلاح عليه، قائلاً إن "قدرته على المناورة تفوق بكثير أي شيء تمتلكه الصين أو روسيا أو الولايات المتحدة" .
كنز من المعلومات بلا خاتم إجابات حاسمة
بينما يتصفح الملايين من الناس حول العالم الأرشيف الضخم للملفات التي رفع عنها السرية، يظل السؤال الأهم مفتوحاً: هل قدمت هذه الوثائق ما يكفي للإجابة على تساؤلات البشرية عن إمكانية وجود حياة خارج الأرض؟ يبدو أن الإجابة الرسمية، حتى الآن، هي "لا".
فالإدارة الأمريكية، وفي الوقت نفسه الذي تقدم فيه هذه "الشفافية غير المسبوقة"، تؤكد على أن مكتب حل الشاذات الشامل (AARO)، وهو المكتب التابع للبنتاجون المكلف بهذا الشأن، لم يجد أي دليل على أن أي من هذه المشاهدات تمثل تكنولوجيا خارج الأرض . ويذكر التقرير السنوي للمكتب أن 118 حالة فقط من بين 757 حالة تمت مراجعتها تم حلها، وعزيت إلى أجسام عادية مثل البالونات والطيور والطائرات المسيرة .
وهكذا، يظل المواطن العادي، كما أراد ترامب، أمام فرصة ليكوّن رأيه بنفسه، بين كواليس غرف القيادة الأمريكية التي تعترف بظواهر لا تستطيع تفسيرها، وبين التقديرات العسكرية التي تنفي، على الأقل حالياً، أن تكون هذه الظواهر دليلاً على كائنات من خارج الأرض.










