21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

القاهرة ليست مجرد وسيط.. المصلحة المصرية في وقف الحرب مع إيران

كشف تقرير صادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن مصر لعبت دوراً فاعلاً، وإن كان ثانوياً، في جهود التوصل إلى وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران خلال الحرب الأخيرة، مدفوعة بمخاوف تتعلق بالاستقرار الاقتصادي المصري وبموازين القوى الإقليمية، إضافة إلى سعيها لترسيخ موقعها ضمن محور عربي – إسلامي ناشئ يضم السعودية وتركيا وباكستان.

بقلم: محمد أبو غالي
١٢ مايو ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
24 مشاهدة
القاهرة ليست مجرد وسيط.. المصلحة المصرية في وقف الحرب مع إيران

القاهرة ليست مجرد وسيط.. المصلحة المصرية في وقف الحرب مع إيران

كشف تقرير صادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن مصر لعبت دوراً فاعلاً، وإن كان ثانوياً، في جهود التوصل إلى وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران خلال الحرب الأخيرة، مدفوعة بمخاوف تتعلق بالاستقرار الاقتصادي المصري وبموازين القوى الإقليمية، إضافة إلى سعيها لترسيخ موقعها ضمن محور عربي – إسلامي ناشئ يضم السعودية وتركيا وباكستان.

التقرير الذي حمل عنوان «ليست مجرد وسيط: المصلحة المصرية في وقف الحرب مع إيران»، أعدّه الباحثان أوفير وينتر ويهودا ديسكين، ونُشر في 12 مايو 2026 ضمن سلسلة “مباط عال” التحليلية الصادرة عن المعهد.

وبحسب التقرير، فإن القاهرة انخرطت منذ اندلاع حرب “زئير الأسد” في جهود دبلوماسية مكثفة لخفض التصعيد ومنع انهيار وقف إطلاق النار، حيث أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية بدر عبد العاطي اتصالات مع مسؤولين أميركيين وإيرانيين، فيما تحركت أجهزة الاستخبارات المصرية عبر قنوات خلفية مع الحرس الثوري الإيراني لدفع المفاوضات وصياغة إطار للتفاهم بين واشنطن وطهران.

وأشار التقرير إلى أن الدور المصري جاء استكمالاً لمحاولات القاهرة توسيع حضورها الإقليمي كوسيط يتجاوز الملف الفلسطيني وقطاع غزة، لافتاً إلى أن مصر سبق أن لعبت دوراً في سبتمبر 2025 في الوساطة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما نقل التقرير ترحيب الرئيس السيسي باتفاق وقف إطلاق النار، واعتباره أنه “أدفأ قلوب ملايين الساعين إلى السلام حول العالم”، معرباً عن أمله في أن يتحول إلى اتفاق دائم يعيد الأمن والاستقرار إلى المنطقة.

وفي السياق ذاته، أورد التقرير ما كتبه رئيس تحرير صحيفة “الشروق” المصرية المقربة من السلطة، عماد الدين حسين، الذي أشاد بالدور المصري في الوساطة إلى جانب باكستان وتركيا، مؤكداً أن الاتصالات بين وزراء خارجية الدول الثلاث كانت شبه يومية، وأن الحرب أثبتت أن “مصر دولة مركزية لا يمكن إدارة المنطقة من دونها”.

وأوضح معدّا التقرير أن القاهرة واصلت تحركاتها بعد إعلان وقف إطلاق النار، بالتنسيق مع السعودية وتركيا وباكستان، لمنع تجدد المواجهات، حيث أجرى وزير الخارجية المصري سلسلة مشاورات واتصالات مع الأطراف المعنية لدعم المفاوضات الأميركية – الإيرانية، فيما أعرب مع نظيره الباكستاني، خلال اتصال هاتفي في 19 أبريل، عن أملهما في عقد جولة تفاوض ثانية تنهي الحرب بصورة نهائية.

ورأى التقرير أن مصر تبنت خلال الحرب موقفاً حذراً ومتوازناً، إذ امتنعت عن توجيه إدانة مباشرة للولايات المتحدة أو إسرائيل حتى لا تتضرر علاقاتها مع واشنطن وتل أبيب، لكنها في الوقت نفسه شددت لاحقاً لهجتها تجاه الضربات الإيرانية على دول عربية استجابة لضغوط حلفائها الخليجيين الذين يمثلون دعامة اقتصادية مهمة للقاهرة. وفي هذا الإطار، قام الرئيس السيسي بجولة خليجية شملت الإمارات والسعودية وقطر والبحرين، مؤكداً ضرورة أن يأخذ أي اتفاق نهائي في الاعتبار مخاوف دول الخليج والأردن والعراق.

وأكد التقرير أن الدوافع المصرية للوساطة كانت بالدرجة الأولى اقتصادية وأمنية. فمن الناحية الاقتصادية، تسببت الحرب – رغم عدم انخراط مصر المباشر فيها – بخسائر فادحة للاقتصاد المصري، خاصة مع استمرار تراجع إيرادات قناة السويس نتيجة اضطراب الملاحة في البحر الأحمر والهجمات الحوثية، حيث قدّرت الخسائر بنحو 10 مليارات دولار منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. كما أشار التقرير إلى تراجع السياحة، وصعوبة تحويلات العاملين في الخليج، ووقف مؤقت لإمدادات الغاز القادمة من إسرائيل، إضافة إلى انخفاض قيمة الجنيه المصري وارتفاع أسعار النفط والوقود.

وأضاف التقرير أن القاهرة تخشى أيضاً من تداعيات إغلاق مضيق هرمز على القطاع الزراعي المصري، الذي يعتمد على استيراد كميات كبيرة من الأسمدة عبر المضيق، فضلاً عن مخاطر تعطل سلاسل الإمداد في حال توسع التهديدات إلى باب المندب.

أما على المستوى السياسي والأمني، فأوضح التقرير أن الحرب عززت المخاوف المصرية من تعاظم النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، في ظل ما تصفه القاهرة بمحاولات إسرائيل “إعادة تشكيل الشرق الأوسط”، إضافة إلى الطروحات الإسرائيلية المتعلقة بتشجيع هجرة فلسطينيي غزة إلى سيناء، وهو ما تعتبره مصر تهديداً مباشراً لأمنها القومي.

وأشار معدّا التقرير إلى أن مصر، بخلاف بعض دول الخليج، لا تنظر إلى إيران باعتبارها تهديداً مباشراً وفورياً، رغم رفضها لتوسيع النفوذ الإيراني أو امتلاك طهران قدرات نووية. ويرجع ذلك، بحسب التقرير، إلى غياب حدود مشتركة بين البلدين، وإلى التقارب التدريجي الذي شهدته العلاقات المصرية – الإيرانية خلال السنوات الأخيرة، ما يمنح القاهرة هامشاً أوسع للحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع طهران وتجنب الانضمام إلى محور إقليمي معادٍ لها بشكل كامل.

وفي هذا السياق، كشف التقرير عن بروز إطار رباعي جديد يضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، أُطلق في الرياض في 20 مارس/آذار 2026، وعقد لاحقاً اجتماعين إضافيين في إسلام آباد وأنطاليا. واعتبر التقرير أن هذا “الكوارتت العربي – الإسلامي” قد يتحول إلى منصة إقليمية تهدف إلى تقليص الاعتماد على القوى الكبرى، وبناء ترتيبات أمنية مستقرة، ومنع ما وصفه التقرير بـ”النزعات الهيمنية” لكل من إسرائيل وإيران.

كما نقل التقرير عن مصادر وتحليلات مصرية حديثاً متزايداً عن إمكانية توسيع اتفاق الدفاع السعودي – الباكستاني الموقع عام 2025 ليشمل مصر وتركيا أيضاً، بما يشكل تحالفاً إقليمياً واسعاً يستند إلى تكامل عناصر القوة لدى الدول الأربع: الجيش المصري وقناة السويس، والثقل الاقتصادي والديني السعودي، والصناعة العسكرية التركية، والمظلة النووية الباكستانية.

وفي ختام التقرير، حذّر الباحثان من أن استمرار الحرب أو تجددها قد يؤدي إلى تعميق الخلافات بين مصر وإسرائيل، وربما يدفع القاهرة والأطر العربية – الإسلامية التي تنشط فيها إلى تبني سياسات أكثر صدامية تجاه تل أبيب والعمل على زيادة عزلتها الإقليمية. ودعا التقرير صناع القرار الإسرائيليين إلى تعزيز الحوار السياسي والأمني المباشر مع مصر، وتخفيف الخطاب التصعيدي، وتوسيع التعاون الاقتصادي معها، خصوصاً في مجالات الغاز والتجارة والصناعة، لمنع تشكل محور إقليمي معادٍ لإسرائيل تقوده القاهرة بالتنسيق مع شركائها الجدد.

محمد أبو غالي

صحفي بموقع 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال