كشفت بحرية الحرس الثوري الإيراني، في إحصائية عسكرية مفاجئة نقلتها وسائل إعلام إيرانية رسمية، أن 35 سفينة بينها ناقلات نفط عملاقة وسفن حاويات وسفن تجارية متنوعة عبرت مضيق هرمز خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية فقط، وذلك بعد حصولها على "إذن رسمي من طهران".
وهذا الرقم المدوي، الذي لم يسبق أن أعلن عنه بهذه الصراحة منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، يمثل تحولاً جذرياً في معادلة القوى داخل الممر المائي الأكثر حيوية في العالم. فقبل أسابيع قليلة، كانت الحركة في المضيق شبه مشلولة تماماً، والناقلات إما محتجزة أو تنتظر أسابيع للحصول على تصاريح عبور نادرة، واليوم تعلن طهران بثقة أن عشرات السفن تبحر يومياً تحت حمايتها ورقابتها.
وتؤكد هذه الأرقام الصادمة، التي يتابعها العالم بأسره، أن إيران لم تعد فقط تسيطر على المضيق عسكرياً، بل شرعت في تأسيس نظام ملاحي جديد يعمل بقواعدها وشروطها، بعيداً عن القانون الدولي الذي طالما هيمنت عليه القوى الغربية. فالسفن التي كانت تنتظر أسابيع للحصول على "إذن عبور" من البحرية الأمريكية أو من شركات التأمين الغربية، تلجأ اليوم إلى غرفة عمليات إيرانية تمنحها التصاريح في غضون ساعات، وتضمن لها عبوراً آمناً مقابل رسوم أو تعهدات بعدم التعاون مع العدو.
ويمثل هذا الإنجاز الإيراني، كما يراه محللون عسكريون، ضربة قاسية للهيبة البحرية الأمريكية التي ظلت لعقود تتحكم في مياه الخليج بأسطولها الخامس، وتخرج اليوم مهزومة ومنكفئة بعد أن فشلت في حماية سفنها وحلفائها من الهجمات الإيرانية أو حتى في تأمين عبور آمن لناقلاتها.
قرقاش وروبيو يطلقان التحذيرات
لم تمر هذه التطورات الدراماتيكية دون ردود فعل غاضبة ومذعورة من قبل المسؤولين الأمريكيين والخليجيين. ففي بيانين متتاليين، خرج كل من المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات أنور قرقاش ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ليصفا فرض إيران لسيطرتها الفعلية على المضيق ونظام الرسوم الجديد بأنه "سابقة خطيرة" يجب ألا تقبل بها أي دولة في العالم .
واعتبر قرقاش أن أي سيطرة إيرانية على مضيق هرمز ستُشكل سابقة خطيرة جداً، وستُسيّس من قبل طهران لابتزاز العالم، محذراً من أن أي تغيير في الوضع القائم سيؤدي إلى تعقيدات خطيرة تمتد تداعياتها حتى إلى أوروبا.
أما روبيو، الذي تحدث على هامش اجتماع وزراء خارجية حلف الناتو في السويد، فكان أكثر حدة في تحذيراته، مؤكداً أنه "لا ينبغي لأي دولة أن تقبل بفرض إيران لرسوم عبور في مضيق هرمز"، واصفاً هذا الإجراء بأنه سيشكل سابقة خطيرة تهدد حرية الملاحة العالمية . لكن اللافت في تصريحات وزير الخارجية الأمريكي هو اعترافه المرير بأن هناك "تقدماً طفيفاً" في المفاوضات الجارية مع إيران.
وهذا الاعتراف، الذي يعكس حالة الإحباط واليأس في الإدارة الأمريكية، يعني أن واشنطن بدأت تدرك أن سياسة "الضغط الأقصى" العسكري والاقتصادي قد فشلت في ثني إيران عن تعزيز سيطرتها على المضيق، وأنها مضطرة الآن للتفاوض مع طهران من موقع ضعف، وليس من موقع القوة كما كانت تفعل سابقاً.
هجوم شمال سقطرى يضيف تعقيداً
في تطور منفصل لكنه مرتبط بالصراع على طرق الملاحة الحيوية، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO) أنها تلقت بلاغاً عن واقعة اشتباك بحري على بعد 98 ميلاً بحرياً شمال جزيرة سقطرى اليمنية، إحدى أهم النقاط الاستراتيجية المطلة على المحيط الهندي والممرات المؤدية إلى باب المندب وخليج عدن.
وذكرت الهيئة أن سفينة تجارية في المنطقة أكدت اقتراب زورق صغير جداً كان يحمل على متنه 5 أشخاص، وعندما شعر طاقم السفينة بالخطر، أطلقوا أعيرة تحذيرية نارية نحو الزورق الصغير، مما أجبره على تغيير مساره والابتعاد بسرعة عن السفينة . ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن هذه الواقعة حتى الآن، لكن التكهنات تشير إلى أنها قد تكون محاولة قرصنة أو استطلاع من قبل جماعات مسلحة موالية لإيران أو لجماعة الحوثي التي تسيطر على أجزاء كبيرة من الساحل اليمني.
وهذه الحادثة، رغم صغر حجمها نسبياً، تضيف بعداً جديداً ومعقداً للصراع المحتدم على الممرات المائية الاستراتيجية في المنطقة، فهي تثبت أن الخطر لا يقتصر على مضيق هرمز فقط، بل يمتد ليشمل البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي. فمع سيطرة إيران الفعلية على هرمز من جهة، واستمرار هجمات جماعة انصار الله في اليمن على السفن في باب المندب من جهة أخرى، تجد السفن التجارية وناقلات النفط نفسها محاصرة في حلقة مفرغة من التهديدات، مما يرفع تكاليف الشحن والتأمين إلى مستويات قياسية، ويعمق أزمة الطاقة العالمية التي بدأت تتفاقم منذ اندلاع الحرب في فبراير.
ويُظهر التنسيق غير المعلن بين طهران وأنصار الله في اليمن أن إيران تبني شبكة إقليمية متكاملة للسيطرة على طرق التجارة البحرية، مما يمنحها نفوذاً هائلاً لا يمكن لأمريكا أو حلفائها تحديّه بسهولة.
مضيق هرمز محطة أخيرة
يثبت المشهد المتكامل الذي ترسمه هذه التطورات المتلاحقة أن إيران خرجت من الحرب الأمريكية الإسرائيلية أقوى مما دخلت إليها، وقادرة على فرض نظام ملاحي جديد في مضيق هرمز يلتف على القانون الدولي ويحتكر حركة الملاحة في مياه الخليج. فعبور 35 سفينة يومياً بإذن إيراني، وإعلان طهران عزمها على تحصيل رسوم عبور منتظمة، ثم الاعتراف الأمريكي بـ"تقدم طفيف" في المفاوضات، كلها مؤشرات على أن ميزان القوى في الخليج قد تغير بشكل جذري ولا رجعة فيه.
ويبقى السؤال الأهم الذي يطرحه المحللون: كم من الوقت ستصمد الإمارات والسعودية في موقفهما الرافض للتعامل مع النظام الإيراني الجديد في هرمز، في ظل تزايد خسائرهما الاقتصادية اليومية وتوقف صادراتهما النفطية؟ والإجابة قد تكون أقرب مما يتوقعون، حيث تشير المصادر إلى أن أبوظبي بدأت بالفعل محادثات غير مباشرة مع طهران حول آلية لدفع رسوم العبور بشكل غير معلن، في اعتراف ضمني بأن عصر الهيمنة البحرية الأمريكية في الخليج قد ولّى إلى غير رجعة.










