يمكن تلخيص هذا المشهد الاستراتيجي الإسرائيلي المركب في ثلاثة محاور مترابطة:
معادلة الاستنزاف والجغرافيا في الجبهة الشمالية
1. المفارقة الجغرافية تكتيك الميدان ضد استراتيجية الردع
إعلان السيطرة على مرتفعات الشقيف والبقاء فيها يمثل محاولة إسرائيلية ل"عقوبة جغرافية" رداً على تهديدات حزب الله، الهدف المباشر هو حرمان الحزب من نقاط الرصد المباشر والسيطرة النارية على الجليل.
المشكلة الاستراتيجية: في الحروب الحديثة، لم تعد السيطرة على "التلال الحاكمة" تضمن تصفية التهديد؛ بالنظر إلى أن ترسانة حزب الله تعتمد على مديات أبعد وقدرات متعددة، مسيرات وصواريخ دقيقة بالتالي، التموضع الثابت يمنح إسرائيل إنجازاً رمزياً، لكنه يحول قواتها إلى أهداف مكشوفة ومحددة بدقة.
2. معضلة الوقت الاستهلاك المتبادل
عامل الوقت في هذه المواجهة لا يتحرك بشكل خطي، بل يضغط على الطرفين بطريقتين متناقضتين:
- حسابات المستوى السياسي الإسرائيلي: يرى أن إطالة أمد السيطرة وتعميق التوغل قد يفرض على الحزب وحاضنته بيئة ضاغطة تدفعهم للقبول بترتيبات سياسية جديدة صيغة معدلة للقرار .1701
- حسابات الواقع الميداني: تمطيط الوقت يمنح حزب الله فرصة " خارطة استهداف العمق الإسرائيلي".
اتساع جغرافيا القصف وفقاً لإذاعة الجيش يحوّل الاستنزاف من الشريط الحدودي إلى مراكز الثقل الاقتصادي والسكاني الإسرائيلي، وهو ما لا تستطيع الجبهة الداخلية تحمله برأس مال سياسي أو اقتصادي مفتوح، واحتمال إخلاء الشمال المحتل، خاصة وأن الكثير من رؤساء التجمعات الاستيطانية خارج البلاد.
3. التصدع البنيوي في الداخل الإسرائيلي
التصريحات المتزامنة لسموتريتش وأمسالم تعكس أزمة عميقة في إدارة التوقعات أمام الشارع الإسرائيلي:
- فجوة الوعود: يعد سموتريتش بـ "أمن طويل الأمد"، بينما يطرح أمسالم سيناريوهات صفرية تدمير بيروت والوصول إلى جونية كشرط وحيد لإنهاء التهديد الإيراني وحزب الله. هذه الحدة في الخطاب تكشف عن إدراك مبطن بصعوبة تحقيق حسم سريع ونظيف.
- استدعاء العقدة التاريخية: مع مرور الوقت وسقوط خسائر في نقاط التمركز الجديدة كقلعة الشقيف ستتحول هذه المواقع من "رموز نصر" إلى "بؤر استنزاف"، هذا التحول سيعيد تفعيل "عقدة وحل لبنان" في الذاكرة الجمعية الإسرائيلية، مما يسرّع من تآكل الإجماع الداخلي وظهور حركات ضغط اجتماعية تطالب بإنهاء النزيف، خاصة مع تفاقم العجز الاقتصادي والإنهاك في قوات الاحتياط.
الخلاصة
الكيان الإسرائيلي يحاول عبر هذه الخطوة استخدام "الجغرافية الثابتة" لتعويض العجز في تحقيق "ردع زمني مؤقت، لكنها في المقابل تقع في فخ "الزمن المفتوح". إن نجاح هذه الاستراتيجية مرهون بقدرة المستوى السياسي على تحويل الإنجاز الجغرافي المؤقت إلى مكسب دبلوماسي سريع، قبل أن تتحول النقاط المستعادة في جنوب لبنان إلى مصائد استنزاف يومية تطيح بالاستقرار الهش للجبهة الداخلية الإسرائيلية.
العودة الإسرائيلية الحالية إلى قلعة الشقيف (بوفورت) وتجاوز نهر الليطاني لا تمثل مجرد تقدم ميداني، بل هي استدعاء مباشر لـ الجغرافيا التاريخية للصراع في لبنان. هذا التطور يعيد إنتاج "الهندسة الأمنية" التي ميزت فترة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، محملةً بذات الأبعاد البنيوية والعقد النفسية التي صاغت الوعي الجمعي الإسرائيلي طيلة عقدين: باراك خائن عندما انسحب من الجنوب اللبناني، وشارون جبان لما انفصل عن غزة.
المقارنة البنيوية: بين تجربة الماضي والواقع الحالي
لصياغة فهم دقيق، يمكن تفكيك الفوارق والقواسم المشتركة بين التجربتين عبر الأبعاد الاستراتيجية التالية:
| وجه المقارنة | مفاعيل الحزام الأمني القديم (1982 - 2000) | معطيات التموضع الحالي (2026) |
| الهدف الاستراتيجي | إبعاد الكاتيوشا وخلايا المنظمات الفلسطينية (ثم حزب الله) عن مستوطنات الشمال | تدمير البنية الهجومية لحزب الله وإلغاء تهديد الصواريخ الموجهة والمسيرات |
| العقيدة العسكرية على الأرض | "الدفاع الثابت" عبر شبكة من المواقع المحصنة (المغار، الدبشة، الشقيف) بدعم من جيش لبنان الجنوبي | "التوغل المرن والتوسع العملياتي" بهدف السيطرة النارية، مع محاولة تجنب نقاط التمركز الدائمة المعزولة |
| طبيعة التهديد الأسيمتري | العبوات الناسفة الجانبية، قذائف الهاون، والكمائن الهجومية المباشرة | المسيرات الانقضاضية الموجهة بالألياف البصرية، الصواريخ الدقيقة، والأنفاق التكتيكية |
| الحاضنة السياسية الداخلية | بدأت بإجماع صلب وانتهت بتصدع اجتماعي حاد وحركات احتجاجية ضاغطة للانسحاب | استقطاب حاد؛ يمين عقائدي يدفع بالاستيطان أو السيطرة الدائمة، مقابل مستوى عسكري يخشى الغرق مجدداً |
العُقد التاريخية المرتبطة بـ "بوفورت" في الداخل الإسرائيلي
تمثل قلعة الشقيف تحديداً رمزاً مكثفاً في الذاكرة العسكرية الإسرائيلية، وتتحرك بداخلها ثلاث عقد رئيسية:
1. عقدة "الوحل اللبناني"
في الوعي الإسرائيلي، ترتبط قلعة الشقيف ببداية الخديعة الاستراتيجية عام 1982؛ حين أبلغ مناحيم بيغن الكنيست بأن السيطرة على القلعة تمت "بدون خسائر"، ليتبين لاحقاً مقتل ستة من جنود نخب "غولاني" (بينهم القائد غوني هيرنيك).
تحول الموقع على مدار 18 عاماً إلى رمز لـ "العقم الاستراتيجي"، حيث كان الجنود يقتلون في طريقهم إلى القلعة أو داخلها دون تغيير الواقع العسكري، وهو ما رسخته الثقافة الإسرائيلية اللاحقة كنموذج للحروب العبثية التي لا أفق سياسي لها.
2. متلازمة "الأهداف المتحركة" والتآكل الداخلي
الخوف الأكبر داخل المحافل التحليلية الإسرائيلية اليوم هو إعادة إنتاج البيئة التي أدت إلى نشوء "حراك الأمهات الأربع" في التسعينيات. في ذلك الوقت، لم ينكسر الجيش الإسرائيلي عسكرياً في الجنوب، بل تآكلت جبهته الداخلية نتيجة النزيف اليومي المستمر (مقتل جندي أو اثنين أسبوعياً).
والآن، ومع رصد مقتل جنود بمسيّرات انقضاضية خلف الليطاني (كما حدث مؤخراً في محيط النبطية)، تعود ذات الأسئلة لطرح نفسها: *ما هو السقف الزمني لبقاء القوات؟ وكيف سيتحول الدفاع عن الجليل إلى رحلة تفتيش عن أمن القوات المحتلة نفسها داخل لبنان؟
3. جدلية "تصحيح الخطيئة" مقابل "إعادة إنتاج أسبابها"
هناك قراءة متناقضة داخل المجتمع الإسرائيلي لهذه العودة:
- تيار اليمين العقائدي (يمثله سموتريتش): يرى في الانسحاب أحادي الجانب عام 2000 "خطيئة تاريخية" ومفهوماً مشوهاً للأمن سمح لحزب الله ببناء ترسانته الحالية. العودة للشقيف بالنسبة لهم هي "تصحيح للمسار" وفرض للأمن بالقوة الجغرافية الصلبة.
- التيار الواقعي/العسكري: يرى أن السيطرة الجغرافية في عصر "المسيرات والأسلحة المنحنية المسار" لا توفر حزاماً أمنياً حقيقياً، بل تحول القوات الثابتة إلى "بط للتصويب" (Sitting Ducks)، حيث لم تعد التضاريس وحدها كافية لحجب التهديدات التكنولوجية الحديثة.
خلاصة تحليلية
المفارقة الجيوسياسية في السيطرة الحالية على مرتفعات الشقيف تكمن في أن الجيش الإسرائيلي دخل إلى هناك هرباً من ضربات حزب الله على مستوطنات الجليل، ليجد نفسه جغرافياً في ذات البقعة التي منحت حزب الله في التسعينيات مشروعيته وبنيته القتالية القائمة على استنزاف القوات الثابتة. عامل الوقت هنا هو الذي سيحدد ما إذا كانت هذه السيطرة ستتحول إلى أداة ضغط دبلوماسية، أم ستنزلق لتصبح النسخة الثانية من "الوحل اللبناني".
عامل الوقت في هذا السياق يمثل ضغطاً حرجاً؛ فكلما طال أمد المعركة وتوسعت جغرافياً، تحولت الإنجازات العسكرية الميدانية المؤقتة إلى عبء استراتيجي ثقيل على الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
إليك تفكيكاً لكيفية تأثير "عامل الوقت" على الداخل الإسرائيلي بناءً على المعطيات المذكورة:
عامل الوقت: معضلة الاستنزاف مقابل وعود الأمن
الوعود بـ "أمن طويل الأمد" والعودة إلى تثبيت نقاط عسكرية مثل "قلعة الشقيف" تتطلب وقتاً طويلاً للاستقرار كواقع جيو-سياسي، لكن هذا الوقت نفسه يضغط على العمق الإسرائيلي من ثلاثة محاور رئيسية:
1. اتساع جغرافيا الاستهداف والأثر النفسي
مع إشارة تقرير إذاعة الجيش إلى أن حزب الله "يواصل توسيع مدى إطلاق الصواريخ"، فإن عامل الوقت هنا يعمل ضد المستوطنين والسكان. تمديد فترة الحرب يعني تآكل "مساحة الأمان" تدريجياً، ودخول كتل سكانية واقتصادية جديدة في وسط إسرائيل تحت خط النار، مما يرفع من وتيرة الإنهاك النفسي العام وشلل الحياة اليومية.
2. النزيف الاقتصادي وتفريغ سوق العمل
الحرب الطويلة تعني استمرار استدعاء مئات الآلاف من قوات الاحتياط، مما يفرغ قطاعات الإنتاج والتقنية والزراعة من طاقتها البشرية. خطاب سموتريتش (باعتباره وزيراً للمالية أيضاً) بأن "التكاليف باهظة لكنها ضرورية" يصطدم بمرور الوقت بـ:
- تراجع مستمر في تصنيفات الائتمان الاقتصادي لإسرائيل.
- ارتفاع حاد في عجز الموازنة العامة لتغطية مصاريف العمليات العسكرية اليومية وتكلفة النازحين.
- تذمر قطاع الأعمال الإسرائيلي الذي لا يستطيع الصمود أمام حروب استنزاف مفتوحة بلا سقف زمني.
3. تآكل "الإجماع الداخلي" واستدعاء عقدة الماضي
الشارع الإسرائيلي يميل للالتفاف حول القيادة في بداية العمليات، ولكن مع مرور الأسابيع والأشهر:
- شبح "الوحل اللبناني": العودة لقلعة الشقيف تحرك تلقائياً الذاكرة الجمعية للإسرائيليين تجاه فترة ما قبل عام 2000، حيث تحول الحزام الأمني حينها إلى مصيدة استنزاف يومية استنزفت أرواح الجنود، وهو ما يخشى الشارع تكراره.
- الخسائر البشرية: التكلفة الباهظة المتوقعة في الحروب البرية الطويلة تؤدي عادة إلى تصدع الجبهة السياسية ونشوء حركات احتجاجية داخلية تضغط لوقف النزيف البشري، مما يزيد الانقسام داخل الكابينت نفسه (كما يظهر في حدة تصريحات أمسالم).
خلاصة المشهد
القيادة السياسية الإسرائيلية تحاول استخدام الوقت لفرض واقع جغرافي جديد على الأرض، بينما يعتمد الطرف الآخر على مغط الوقت لتحويل هذا التواجد الجغرافي إلى استنزاف مالي وبشري ونفسي لا تقوى الجبهة الداخلية الإسرائيلية على تحمله على المدى الطويل.








