كشفت وكالة رويترز، نقلًا عن مسؤول إيراني رفيع المستوى، عن تفاصيل المسودة النهائية لمذكرة التفاهم المرتقبة بين أمريكا وإيران، في خطوة تعكس تحولات عميقة في مسار العلاقة بين الطرفين. ووفقًا للمصدر، فإن المسودة لا تقتصر على الملف النووي فحسب، بل تمتد لتشمل قضايا استراتيجية تتعلق بالملاحة الدولية، والعقوبات الاقتصادية، وتوازنات القوة في الخليج.
ويشير هذا التسريب إلى أن المفاوضات تجاوزت مرحلة المبادئ العامة، لتدخل في تفاصيل تنفيذية دقيقة، ما يعزز فرضية اقتراب الإعلان عن اتفاق فعلي. كما يعكس ذلك رغبة أمريكية في إعادة ضبط المشهد الإقليمي، في ظل ضغوط متزايدة ناتجة عن استمرار الحرب في غزة منذ أكتوبر 2023، والدور الأمريكي المباشر في دعم العمليات العسكرية الإسرائيلية.
هرمز والعقوبات
تنص المسودة على أن تقوم إيران بإعادة فتح مضيق هرمز فورًا أمام جميع السفن التجارية، وهو ما يمثل تطورًا بالغ الأهمية بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للمضيق، الذي يُعد شريانًا رئيسيًا لتدفق الطاقة العالمية. في المقابل، تلتزم أمريكا برفع الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، على أن يبدأ التنفيذ فور توقيع مذكرة التفاهم ويُستكمل خلال ثلاثين يومًا.
وتعكس هذه الخطوة نوعًا من المقايضة المباشرة بين الأمن الملاحي والضغوط الاقتصادية، حيث تسعى واشنطن إلى ضمان استقرار حركة التجارة الدولية، بينما تحصل طهران على متنفس اقتصادي طال انتظاره. غير أن هذا الترتيب يثير تساؤلات حول مدى استدامته، خاصة في ظل تاريخ طويل من التوترات والانقلابات على الاتفاقات بين الطرفين.
البرنامج النووي
فيما يتعلق بالملف النووي، توافق إيران، وفقًا للمسودة، على عدم إنتاج أو حيازة أسلحة نووية، مع الالتزام بالحفاظ على الوضع الراهن لبرنامجها النووي لحين التوصل إلى اتفاق نهائي. كما تتعهد بالامتناع عن تخصيب اليورانيوم أو توسيع منشآتها النووية خلال هذه المرحلة الانتقالية.
في المقابل، توافق أمريكا على السماح لطهران بتخفيف مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب داخل إيران، على أن يتم تنظيم هذه العملية ضمن اتفاق شامل لاحق. ويعكس هذا الترتيب محاولة لتجميد التصعيد النووي دون تفكيك البرنامج بالكامل، ما يفتح الباب أمام مفاوضات أكثر تعقيدًا في المرحلة التالية.
جدول التفاوض
تتضمن المسودة إطارًا زمنيًا واضحًا، حيث سيتم التفاوض على القضايا الجوهرية المتعلقة بالبرنامج النووي وأنشطة التخصيب خلال ستين يومًا من توقيع المذكرة، على أن تُدرج هذه الملفات ضمن اتفاق نهائي لاحق. كما تلتزم أمريكا بعدم فرض عقوبات جديدة على إيران خلال هذه الفترة، ما يوفر بيئة تفاوضية أقل توترًا.
ويشير هذا الجدول إلى أن مذكرة التفاهم تمثل مرحلة انتقالية وليست نهاية المسار، حيث يتم خلالها بناء الثقة وتهيئة الأرضية لاتفاق أشمل. غير أن نجاح هذه المرحلة يبقى مرهونًا بمدى التزام الطرفين، خاصة في ظل سوابق الانسحاب الأمريكي من اتفاقات سابقة.
رفع القيود
تنص المسودة كذلك على أنه عقب التوصل إلى اتفاق نهائي، سيتم رفع جميع العقوبات التي تفرضها واشنطن والأمم المتحدة على إيران، وفق جدول زمني متفق عليه. كما تشمل التفاهمات رفعًا مؤقتًا للعقوبات النفطية، بما يسمح لطهران باستئناف تصدير النفط وتلقي العوائد المالية.
إضافة إلى ذلك، توافق أمريكا على الإفراج عن 25 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة، وهو ما يمثل دفعة اقتصادية كبيرة قد تسهم في استقرار الداخل الإيراني. ومع ذلك، فإن هذه التنازلات تطرح تساؤلات حول ما إذا كانت تأتي في سياق إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية في المنطقة، خاصة في ظل استمرار الدعم غير المشروط للاحتلال الإسرائيلي في عملياته العسكرية.
توازنات إقليمية
تكشف هذه المسودة عن محاولة أمريكية لإعادة صياغة توازنات القوة في الشرق الأوسط، عبر احتواء إيران دبلوماسيًا بدلًا من مواجهتها عسكريًا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التحالف مع إسرائيل. غير أن هذا المسار يبدو محفوفًا بالتناقضات، إذ يصعب الجمع بين تهدئة مع طهران واستمرار التصعيد في لبنان وغزة.
وفي هذا السياق، تبرز مخاوف من أن تكون بعض بنود الاتفاق جزءًا من مقايضات أوسع تشمل ملفات إقليمية، حيث قد يتم توظيف التفاهم مع إيران لضبط سلوك حلفائها، في مقابل غض الطرف عن سياسات الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك المجازر المستمرة في غزة منذ أكتوبر 2023، بدعم أمريكي سياسي وعسكري مباشر.










