أكد فريدريش ميرتس أن التطورات الأخيرة المرتبطة بالتفاهمات بين أمريكا وإيران تمثل نموذجًا لما وصفه بـ"السلام عبر القوة"، في إشارة إلى اعتماد مزيج من الضغط السياسي والحزم الدبلوماسي لدفع الأطراف نحو الاتفاق. وأوضح، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام ألمانية ودولية، أنه أبلغ الرئيس الحالي دونالد ترامب بأن هذا النهج أسهم في تقريب وجهات النظر وفتح مسار تفاوضي يخدم الاستقرار الإقليمي والدولي.
وتحمل هذه التصريحات دلالات سياسية تتجاوز مجرد الإشادة بالاتفاق، إذ تعكس تبني برلين لرؤية تعتبر أن الضغوط المتدرجة، وليس فقط الحوار، هي التي تُنتج التسويات. كما تشير إلى محاولة أوروبية لإعادة التموضع داخل الملف الإيراني، عبر دعم المسار الأمريكي دون التخلي عن أدوات التأثير الخاصة بها.
خيار طهران
وفي تقييمه لموقف طهران، أشار ميرتس إلى أن إيران لا تملك في المرحلة الحالية سوى القبول بشروط الاتفاق المطروح، معتبرًا أن التسوية التفاوضية تمثل الخيار الأقل كلفة مقارنة بأي سيناريو تصعيدي محتمل في الشرق الأوسط. ويعكس هذا الطرح قراءة أوروبية تعتبر أن موازين القوى الحالية تميل لصالح واشنطن، ما يدفع إيران إلى تبني مقاربة أكثر براغماتية.
غير أن هذا التوصيف لا يخلو من بعد جدلي، إذ يرى مراقبون أن تصوير الاتفاق كخيار وحيد أمام طهران يتجاهل تعقيدات المشهد الإقليمي، وقدرة إيران على المناورة عبر أدواتها السياسية والعسكرية. كما أن ربط "السلام" بمفهوم "القوة" يثير تساؤلات حول مدى استدامة أي اتفاق يُبنى على ضغوط مكثفة أكثر من كونه قائمًا على توازن مصالح حقيقي.
دعم أوروبي
أعرب المستشار الألماني عن تفاؤل بلاده بنتائج المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، مؤكدًا استعداد ألمانيا للمشاركة في أي جهود دولية أو أوروبية تهدف إلى تنفيذ الاتفاق ومتابعة مخرجاته. ويعكس هذا الموقف حرص برلين على أن تكون جزءًا من آليات التنفيذ، وليس مجرد داعم سياسي من الخارج.
كما يندرج هذا التوجه ضمن إطار أوسع من التنسيق الأوروبي، حيث تسعى العواصم الغربية إلى توحيد مواقفها تجاه الملف الإيراني، خاصة في ظل ارتباطه بقضايا حساسة مثل أمن الطاقة والملاحة الدولية ومنع انتشار النزاعات. ويعزز هذا الحضور الأوروبي من فرص تحويل التفاهمات إلى ترتيبات عملية، لكنه في الوقت ذاته يضع أوروبا أمام اختبار قدرتها على التأثير الفعلي في مسار التنفيذ.
سياق المفاوضات
تأتي هذه التصريحات عقب إعلان التوصل إلى تفاهمات جديدة بين أمريكا وإيران، بعد جولات من المفاوضات غير المباشرة التي استمرت لأشهر بوساطات إقليمية ودولية. وقد لاقت هذه التطورات ترحيبًا من عدد من العواصم الغربية، التي رأت في استمرار الحوار فرصة لتخفيف حدة التوتر في المنطقة.
لكن هذا الترحيب لا يخفي حالة الحذر التي تسيطر على المواقف الدولية، إذ يبقى نجاح أي اتفاق مرهونًا بمدى التزام الأطراف ببنوده، وقدرتها على تجاوز ملفات الخلاف العالقة. كما أن التجارب السابقة مع الاتفاقات الدولية في المنطقة تشير إلى أن التفاهمات السياسية غالبًا ما تواجه اختبارات صعبة عند ترجمتها إلى واقع ميداني.
تحركات مقبلة
تشير التقديرات إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد مشاورات مكثفة بين أمريكا وشركائها الأوروبيين لوضع آليات تنفيذ واضحة، تشمل مراقبة الالتزامات وضمان استمرارية الاتفاق. ويُتوقع أن تلعب ألمانيا دورًا نشطًا في هذه المشاورات، في إطار سعيها لتعزيز حضورها في ملفات الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، تبدو الرهانات مرتفعة، ليس فقط على نجاح الاتفاق في حد ذاته، بل على قدرته في إعادة تشكيل معادلات الاستقرار الإقليمي. وبينما تروج بعض القوى لفكرة "السلام عبر القوة"، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان هذا النهج سيقود إلى تهدئة مستدامة، أم أنه يحمل في طياته بذور توترات جديدة قد تنفجر في أي لحظة.








