بين الحين والآخر، تُعيد البشرية صياغة حكايتها القديمة مع التقديس بأغلفة جديدة وأشكال أكثر حداثة، إذ لم نعد ننحت الأصنام من الحجارة فقط، بل أصبحت لدينا طرق عدة لصناعة الاصنام من بينها التقاطنا شخصاً عادياً، وإحاطته بهالة ساطعة من الضوء، تصنع منه ما يمكن تسميته الإنسان الأيقوني.
إنه ذلك الفرد الذي نُسقط عليه أحلامنا وتطلعاتنا، ونقتطع من وقتنا وجهدنا لمجرد أن نكون في مدار ضوئه أو ضمن الهالة المتميزة من حوله، ننتظر فرصة لمصافحته، أو التقاط صورة فخرية تجمعنا به، وكأن الاقتراب منه يُضفي علينا قيمة نفتقدها في أنفسنا ونقتبسها من وجوده. غير أن هذا الانبهار، حين يتجاوز حدوده الطبيعية، يتحول إلى تأليه معنوي يُعطل العقل، ويستلب الإرادة، ويهدم المبادئ الأخلاقية التي تُبنى عليها المجتمعات.
من ذات الزاوية يمكننا النظر إلى المستطيل الأخضر حيث تُؤلّه المهارة، وحين تتجلى هذه الأسطورة بأوضح صورها في عالم كرة القدم. لا بأس أبداً في أن نستمتع بلعبة جميلة، ولا حرج في أن نُصفق لمهارة استثنائية ولا ضير في أن نمارس إعجابنا الفطري بالإبداع. لكن المشكلة الحقيقية تبدأ حين نتحول من معجبين بمهارة رياضية إلى "مؤلّهين" لأصحابها.
حين نضع اللاعب في مكانة فوق الشبهات، ونكسر لأجله المنظومة الأخلاقية التي تحكمنا، نكون قد انحرفنا عن السواء، إن النجاح الكروي لا يمنح صاحبه حصانة أخلاقية، ولا يجوز أن يجعلنا نغض الطرف عن السلوكيات أو نجعله بدائل عن القيم الراسخة، فالإنسان في النهاية يُقاس بأخلاقه ومواقفه، لا بعدد الأهداف التي يسجلها في المرمى.
تكمن الكارثة في النزيف المالي لمجتمعات عي في أمس حاجتها إلى التنمية، والأنكى من ذلك هو حجم الإنفاق المالي الضخم الذي يُسكَب في شرايين هذه المنظومة الترفيهية، نرى الملايين تتدفق في مجتمعات لا تُعتبر إنتاجية بالأساس، ولا يرتقي هذا الإنفاق باقتصادها الوطني في شيء، بل يعود بالنفع فقط على المنظومة الكروية والرعاة.
وفي النهاية، فإن المواطن البسيط هو من يدفع الفاتورة بشكل غير مباشر، سواء من خلال تكاليف الدعاية المضافة على أسعار سلع الاستهلاك اليومي، أو من خلال توجيه الموارد العامة نحو الترفيه التجاري بدلاً من استثمارها في التعليم والصحة والبنية التحتية والصناعة.
إنها رفاهية شكليّة تُقدَّم للشعوب، بينما تُحرم القطاعات الحقيقية من الدعم الذي تستحقه. ولا يتوقف هذا الداء عند شاشات التلفاز، بل يمتد ليلمس تفاصيل حياتنا اليومية، نرى ذلك جلياً حين نُصنِّع أيقونة من شخص يمتلك منصباً أو نفوذاً في بيئتنا القريبة، يتهافت الناس حوله، ويتفننون في خدمته والتزلف إليه، وتقديم التنازلات بشتى الصور، فقط ليعيشوا في ظله ويضمنوا الحصول على استثناءات ومزايا قد لا تكون حقا لهم. هنا يتحول التزلف من مجرد ضعف إنساني إلى مشاركة صريحة في الظلم.
ففي سبيل الحصول على منفعة يتناسى المرء المحاسبية الإلهية، ويغمض عينيه عن أي مظلمة قد يرتكبها ذلك المسؤول في حق الآخرين يُعد كل المتاهفتين على الاقتراب منه شركاء فيها. إن التأييد الأعمى والتزلف لأصحاب النفوذ يجعلنا شركاء مباشرين في كل ظلم يُرتكب ويحولنا دون ان ندري لسلع في سوق نخاسة الشهرة. إن أسطورة الإنسان الأيقوني ليست إلا مرآة لهروب الإنسان من مسؤولية التفكير والموقف الأخلاقي المستقل.
إن نهضة أي مجتمع لا تبدأ إلا عندما نسترد عقولنا من سحر المشاهير وهالة أصحاب المناصب، ونوقن أن قيمة المرء تكمن في عدله ومبادئه ومدى انحيازه للحق، لا بعدد الصور التي يلتقطها مع الأيقونات من حولنا ولا بالمزايا المغصوبة التي يجنيها من القرب منهم. لنصفق للإبداع حين يكون إبداعاً، ولنحترم المسؤولية حين تُؤدّى بأمانة، ولكن دون أن نسكب كرامتنا وأخلاقنا وشرفنا كقربان على أعتاب أوهام صنعتها العيون الشاخصة.







