21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. محمد الصاوي يكتب:هل أمريكا صغرت بحجم حماس أم حماس كبرت بحجم أمريكا؟

بقلم: د. محمد الصاوي
١٤ أكتوبر ٢٠٢٥
6 دقائق قراءة
75 مشاهدة
د. محمد الصاوي يكتب:هل أمريكا صغرت بحجم حماس أم حماس كبرت بحجم أمريكا؟

بينما كان البيت الأبيض يطمئن الإسرائيليين بأن “كل شيء تحت السيطرة”، كانت غزة تعيد تعريف مفهوم القوة وتعيد رسم خرائط الردع على مستوى العالم.


فما بين السماء التي تمطر صواريخ، والأرض التي تنزف دمًا، برز سؤال استراتيجي لم يعد يخص الإقليم وحده بل العالم بأسره:
هل أمريكا صغرت بحجم حماس، أم أن حماس كبرت بحجم أمريكا؟

سؤال يبدو في ظاهره لغويًا، لكنه في جوهره سؤال فلسفي في العلاقات الدولية، يعكس تحولًا غير مسبوق في طبيعة القوة، ومكانة الفاعلين من غير الدول، وحدود النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط بعد حرب غزة 2023–2025.

البعد السياسي – انقلاب موازين القوة الرمزية

تصرّ واشنطن على التعامل مع الصراع من زاوية “محاربة الإرهاب”، لكنها وجدت نفسها فجأة أمام حركة تقود قرار الحرب والسلام في الشرق الأوسط.
فكل مفاوضات وقف إطلاق النار، وكل صفقة تبادل، تمر عبر قنوات تفاوضية غير رسمية تضع حماس في موقع الطرف السياسي المعترف به ضمنياً .
تلك لحظة فارقة جعلت أمريكا، برغم قوتها، تبدو صغيرة بحجم الفاعل الذي اضطُر للتعامل مع واقع لا يمكن تجاوزه.

"لقد خسرت واشنطن وهم احتكار القرار، وربحت حماس موقع “اللاعب الذي لا يُتجاوز”، وهو انتقال من الهامش إلى قلب الطاولة السياسية".

البعد العسكري – معادلة الردع المزدوج

في كل حروب غزة السابقة كانت إسرائيل تملك المبادرة العسكرية، لكن هذه المرة انقلبت المعادلة.
فحماس — بتراكم خبرتها الاستخباراتية والعسكرية — نقلت الصراع من نطاق “الرد التكتيكي” إلى مفهوم المعركة المركبة، حيث الميدان والسايبر والإعلام والسياسة يتحركون بتناغم.
هذا التحول أربك واشنطن التي وجدت نفسها في موقف دفاعي سياسي تبحث فيه عن “مخرج مشرّف” لحليفتها (إسرائيل)، بينما فرضت حماس قواعد اشتباك جديدة جعلت إسرائيل تتردد قبل كل خطوة.

"لم تكبر حماس في عدد الصواريخ فقط، بل كبرت في نوعية التأثير، وهو جوهر القوة الحديثة في ميزان الردع".

البعد الاستخباراتي – الفشل الذهني قبل الفشل الميداني

من أعظم معجزات “الطوفان المبارك” – كما وصفها كثير من المحللين – قدرة المقاومة على إخفاء الأسرى الإسرائيليين لمدة 740 يومًا في مساحة لا تتجاوز 360 كم²، بينما كانت كل أجهزة استخبارات العالم تلاحقهم ليلًا ونهارًا.

أقمار صناعية، مسح حراري وضوئي، أنظمة ترصّد واستشعار، وحدات خاصة، جواسيس، وذكاء اصطناعي…
كل أدوات المراقبة البشرية والتقنية اجتمعت على هدف واحد: العثور على الأسرى، لكنها فشلت.

لم يكن هذا الفشل مجرد تقني، بل فشل ذهني استخباراتي، لأن الخصم واجه منظومة غير تقليدية من المقاومة:
منظومة تعرف متى تُخفي، ومتى تُظهر، ومتى تُربك العدو وهو يظن أنه يُمسك بالخيوط.

هذا العمق التنظيمي والقدرة على التمويه والسرية أعادت تعريف مفهوم “الذكاء الاستخباراتي”، فحماس لم تكتفِ بالمناورة الميدانية، بل اخترقت منطق التفكير الاستخباراتي نفسه، وجعلت من العدو المتفوّق تقنياً عاجزا  أمام عبقرية التخفي والمباغتة.

"لقد كشفت حرب غزة أن القوة الاستخبارية لا تُقاس بكمّ المعلومات التي تجمعها، بل بقدرتك على إخفاء ما لا يُكشف، وهذا ما برعت فيه حماس، وأخفقت فيه واشنطن وتل أبيب معاً ".

البعد الإعلامي – سقوط الرواية الأمريكية

لم تعد واشنطن تمتلك السيطرة على المشهد الإعلامي كما في السابق. ففي زمن البث المباشر من قلب الأنقاض، لم تعد الصور تحتاج ترجمة.
تهاوت الرواية الأمريكية التي حاولت شيطنة المقاومة أمام مشاهد الأطفال والدمار، وارتفعت بالمقابل قيمة الرواية الفلسطينية بوصفها خطاباً إنسانيا عالمياً .

“المعركة التي خسرتها أمريكا لم تكن في غزة، بل في وعي الشعوب.”

تحولت حماس من تنظيم محلي إلى رمز أممي للكرامة والصمود، بينما انكمشت الهيمنة الأخلاقية لأمريكا إلى حدود حسابات المصالح الضيقة.

البعد الإنساني – سلاح يُقدَّم ومجازر تُرتكب

جاء تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الكنيست الإسرائيلي ليكشف حجم التورط الأمريكي المباشر في الحرب، حين قال بوضوح:

“نحن قدمنا لكم السلاح، وأنتم استخدمتموه ببراعة.”

هذا التصريح لم يكن مجرد مجاملة دبلوماسية، بل اعتراف رسمي بأن ما جرى في غزة لم يكن حربا إسرائيلية خالصة، بل عملية أمريكية بيدٍ إسرائيلية.
فالأرقام لا تكذب: آلاف الشهداء من الأطفال والنساء، ومئات الآلاف من الجرحى والمشردين، ومدنٌ سوّيت بالأرض في مشهد غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية.

طول المدة، وحجم الدمار، والدماء التي سالت، تجعل من “البراعة” التي تحدث عنها ترامب تجسيدًا ساخرًا لوحشية غير مبررة، حيث يُقاس النجاح بعدد القتلى لا بتحقيق السلام.
هنا تتجلى المفارقة الأخلاقية والسياسية في آنٍ واحد:
أمريكا التي كانت تُقدّم نفسها كراعٍ للسلام، تحولت إلى مموّلٍ للحرب ومنظّرٍ للقصف، وهو ما أفقدها بريقها الرمزي أمام الشعوب وأمام التاريخ.

البعد الاستراتيجي – إعادة تعريف القوة

القوة لم تعد تُقاس بما تملكه من طائرات أو أساطيل، بل بقدرتك على فرض جدول أعمال على طاولة العالم.
وحين تصبح غزة الصغيرة هي من تحدد إيقاع جلسات مجلس الأمن، وتدفع البيت الأبيض للبحث عن هدنة تحفظ ماء وجهه، فإننا أمام إعادة تعريف للقوة نفسها.

أمريكا لم تصغر كمؤسسة، لكنها تقلصت كهيبة رمزية.
أما حماس فلم تكبر كدولة، لكنها تمددت كفكرة، كرمز، وكقوة إلهام تتجاوز حدود الجغرافيا.

القوة اليوم ليست احتكارًا، بل شبكة من التأثيرات التي تصنعها الإرادة والصمود، لا فقط السلاح والمال.

أخيراً وليس آخرا

لقد أثبتت حرب غزة أن العالم لم يعد كما كان، وأن المقاومة باتت لاعبًا دوليًا يُحسب له حساب.
سبعمائة وأربعون يومًا من التحدي والصمود كانت كفيلة بأن تُسقط هيبة القوة الأمريكية التقليدية، وتعيد للعرب ثقتهم بمعنى الكرامة والمقاومة.

حماس لم تكبر بحجم أمريكا فحسب، بل كبّرت الأمة بأسرها بحجمها الأخلاقي والرمزي.
أما أمريكا، فصغرت ليس بقوتها المادية، بل بضعف حجتها، وتآكل صورتها أمام شعوبٍ لم تعد تصدّق وعودها عن “السلام”.

 

د. محمد الصاوي

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال