19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

محمد الصاوي يكتب: "ملحمة الغضب " الأمريكية على إيران.. أزمة استراتيجية تفجّر موازين القوة في الشرق الأوسط

الضربة الأمريكية على إيران في فبراير 2026 ليست مجرد عملية عسكرية، بل لحظة فارقة في التاريخ الاستراتيجي للشرق الأوسط. العملية تمثل توازنًا دقيقًا بين الردع العسكري والمصالح الاقتصادية والجيوسياسية.

بقلم: د. محمد الصاوي
٣ مارس ٢٠٢٦
11 دقائق قراءة
11 مشاهدة
جانب من مراسم دفن الطالبات الشهيدات في مدرسة جنوب إيران، بعد قصفهم في العدوان الأمريكي الإسرائيلي

جانب من مراسم دفن الطالبات الشهيدات في مدرسة جنوب إيران، بعد قصفهم في العدوان الأمريكي الإسرائيلي

- عملية "ملحمة الغضب" فجرت الشرق الأوسط: ضربة أمريكية-إسرائيلية على قلب إيران تغير قواعد اللعبة الاستراتيجية في المنطقة.”

- لكن في ظل هذه الضربة الاستراتيجية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ستنجح الولايات المتحدة في إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، أم أن المنطقة مقبلة على مرحلة من التصعيد غير المسبوق؟

في صباح السبت 28 فبراير/شباط 2026، شنت الولايات المتحدة أكبر عملية عسكرية مباشرة ضد إيران منذ عقود، بالتنسيق مع إسرائيل، مستهدفةً القادة العسكريين والسياسيين في طهران بما في ذلك المرشد الأعلى علي خامنئي. أسفرت العملية عن زلزال استراتيجي يهدد استقرار الشرق الأوسط ويثير مخاوف عالمية حول أسواق النفط، فيما يتسارع صدى الضربة عبر واشنطن وطهران، والدبلوماسيون عاجزون عن فتح قنوات تفاوضية فعّالة. هذه اللحظة تمثل اختبارًا صعبًا لقدرة الولايات المتحدة على موازنة القوة والضغط العسكري مع تداعيات اقتصادية وجيوسياسية عالمية

هذه التطورات تمثل نقطة تحول استراتيجية خطيرة في العلاقات الدولية، وتمثل اختبارًا جوهريًا لقدرة الولايات المتحدة على إدارة الصراع بعيدًا عن اتساع رقعة الحرب. تتقاطع هنا الأهداف العسكرية مع الدوافع السياسية والأخطار الإقليمية في مشهد معقّد يعيد تشكيل مستقبل الشرق الأوسط.

أولاً: خلفية الصراع والتحوّل في الاستراتيجية الأمريكية

لطالما شكلت إيران حجر الزاوية في التنافس الإقليمي بين القوى العالمية والإقليمية في الشرق الأوسط. منذ الثورة الإسلامية في 1979، ومن ثم حرب العراق وإيران في ثمانينيات القرن الماضي، مرورًا بدعم إيران للجماعات المسلحة في المنطقة، وصولاً إلى ملفها النووي، ظلت طهران في صدارة ملفات الأمن القومي الأمريكي.

في السنوات الأخيرة، اعتمدت واشنطن سياسة الضغط الأقصى على طهران، مركّزة على العقوبات الاقتصادية والحدّ من قدرة إيران على تطوير برنامجها النووي. ومع فشل المفاوضات النووية مؤخراً، واجهت إدارة ترامب ضغوطًا متزايدة من حلفاء في المنطقة، لا سيما السعودية وإسرائيل، للتعامل عسكريًا مع التهديد الإيراني المتصوّر.  

التقارير الاستقصائية الحديثة تشير إلى أن ضغوطًا سعودية وإسرائيلية مارست تأثيرًا بالغًا على القرار الأمريكي، مما ساهم في تأكيد ترامب على ضرورة توسيع نطاق الخيار العسكري، وإنهاء ما وصفه بـ "التهديد النووي والنفوذ الإقليمي الإيراني".  

ثانيًا: تنفيذ الضربة وأهدافها العسكرية

1. تفاصيل الهجوم

الضربة، التي حملت اسم "Epic Fury" (الغضب الملحمي)، كانت واسعة النطاق وتم تنسيقها مع القوات الإسرائيلية. استهدفت مواقع عسكرية واستراتيجية في مختلف أنحاء إيران، شملت أنظمة الدفاع الجوي، مواقع الصواريخ، وجزء من البنية القيادية العليا في البلاد.  

من أبرز ما أعلنته مصادر أمريكية وإسرائيلية:

- اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين.
- استهداف منشآت دفاعية وصاروخية حساسة.
- استخدام صواريخ من البحرية الأمريكية وطائرات إسرائيلية في الهجوم.
- استخدام طائرات بدون طيار متقدمة مثل LUCAS.  

وقد تبع الضربة الأمريكية إسرائيلية تنسيقًا لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث، حيث ركزت الضربات على مراكز القوة الإيرانية في آن واحد، في محاولة لتقويض القرار الاستراتيجي للنظام الإيراني.

2. المبررات العسكرية والسياسية

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الهدف من هذا الهجوم ليس فقط الرد على تهديد وشيك، بل فرض تغيّر شامل في سلوك النظام الإيراني، واصفًا العملية بأنها خطوة نحو " تحرير الشعب الإيراني من نظام قمعي".  

لكن محللين استراتيجيين في واشنطن يرون أن الهدف الحقيقي أعمق وأكثر تعقيدًا: إعادة تشكيل معادلة الردع في المنطقة، وإلحاق هزيمة استراتيجية بطهران قبل أن تتمكن من تحقيق اختراق نووي أو تعميق نفوذها في دول الجوار.  

 ثالثًا: رد الفعل الإيراني والتصعيد الإقليمي

لم تمضِ ساعات على الضربة حتى ردّت إيران بإطلاق صواريخ وطائرات بدون طيار على قواعد أمريكية في منطقة الخليج، واستهدفت منشآت إسرائيلية في دول مجاورة، مما عزّز مخاوف من اتساع رقعة الحرب بسرعة.  

وقد أكد جهاز الحرس الثوري الإيراني أن أي هجوم يُعدّ حربًا شاملة تستدعي ردًا قويًا، وأن طهران لن تتخلى عن مصالحها الاستراتيجية.  

رابعًا: بُعد الردع وإعادة التوازن الإستراتيجي

هذه الضربة تمثل في جوهرها محاولة إعادة رسم معادلة الردع في الشرق الأوسط، بعد عقود من الصراع غير المباشر بين واشنطن وطهران.

خبراء عسكريون يرون أن الولايات المتحدة تحاول من خلال هذا العمل:

- وقف أي تقدم لإيران في القدرات الصاروخية أو النووية.
- استعادة الردع الأمريكي بعد ما اعتُبر فترات ضعف إستراتيجي في أعقاب الانسحاب من الاتفاق النووي وعمليات في السابق.
- إرسال رسالة حازمة إلى كل من حركات مسلحة مدعومة من إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن.  

من ناحية أخرى، تشير بعض التقييمات إلى أن الضربة قد تؤدي إلى ارتفاع مخاطر الأخطاء الحسابية وأن إيران قد تلجأ إلى تكتيكات حرب غير تقليدية تتجاوز حدود الرد الصاروخي المباشر، مثل استخدام وكلاء في العراق وسوريا أو هجمات سيبرانية تستهدف البنى التحتية الحيوية.

خامسًا: تداعيات على السياسات الدولية والتحالفات

1. مواقف القوى الكبرى

في ظل هذه الأزمة، تبنى الاتحاد الأوروبي موقفًا حذرًا، مؤكدًا أنه لم يشارك في الهجوم ويدعو إلى ضبط النفس واللجوء إلى الدبلوماسية لتفادي انزلاق أوسع نحو حرب شاملة في المنطقة. 

روسيا من جهتها، عبرت في مناسبات سابقة عن دعمها لتطوير القدرات الدفاعية الإيرانية، بما في ذلك التعاون في مجال الدفاع الجوي والطائرات المقاتلة، في مؤشر على أن طهران قد لا تواجه هذا التصعيد بمفردها.  

الصين كذلك تراقب المشهد عن كثب، وتُظهر تفضيلها للحلول الدبلوماسية في الملفات الحساسة مثل النووي الإيراني، في محاولة للحفاظ على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة.

2. ردود فعل في الولايات المتحدة

داخل الولايات المتحدة، أثارت الضربة جدلًا سياسيًا واسعًا. فقد طالب بعض الديمقراطيين الكونغرس بـ التصويت الفوري على قيود ضد توسيع العمليات العسكرية، معتبرين أن الإدارة تجاوزت صلاحياتها دون تفويض واضح من السلطة التشريعية.  

وفي الجانب الآخر، يرى مؤيدو الضربة أنها تصحيح لمسار استراتيجي طال انتظاره لمواجهة ما يعتبرونه تهديدًا طويل المدى من طهران.

سادسًا: المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية – تحليل بالأرقام

تتجاوز تداعيات الضربة الأمريكية على إيران الأبعاد العسكرية لتصل مباشرة إلى الاقتصاد العالمي، ولا سيما أسواق الطاقة. فإيران، على الرغم من العقوبات المتواصلة، تظل أحد اللاعبين الرئيسيين في سوق النفط، إذ يبلغ إنتاجها اليومي نحو 3.2 إلى 3.3 مليون برميل، فيما تصل صادراتها إلى نحو 1.3–1.5 مليون برميل يوميًا، معظمها موجه إلى الصين. إضافة إلى ذلك، تمتلك البلاد احتياطيات نفطية من بين الأكبر عالميًا، مما يجعل أي تعطيل للإنتاج أو اضطراب في صادراتها عاملاً مؤثرًا على توازن العرض العالمي.

يلعب مضيق هرمز دورًا حاسمًا في هذه المعادلة، فهو الممر الذي يمر منه يوميًا نحو 20 مليون برميل من النفط الخام، أي ما يعادل نحو 20% من الاستهلاك العالمي. أي تهديد للممر، سواء عبر عمليات عسكرية أو زيادة تكاليف التأمين على الشحن، يرفع المخاطر على الإمدادات العالمية ويؤدي تلقائيًا إلى ارتفاع أسعار النفط، وهو ما ينعكس بدوره على الأسواق المالية والاقتصادات الكبرى.

وقد تجلى ذلك في تحركات الأسعار فور تنفيذ الضربة، حيث ارتفع خام برنت إلى نحو 72.50 دولارًا للبرميل، مع توقعات محللين بوصوله إلى حوالي 80 دولارًا في سيناريو معتدل، وربما يتجاوز 100 دولار في حال استمرار التصعيد أو تعطيل تدفق النفط عبر المضيق. الأسواق المالية لم تظل بمعزل عن هذه التطورات، إذ اتجه المستثمرون إلى أصول آمنة مثل الذهب والسندات الأمريكية، في حين تراجعت بعض العملات الإقليمية وأسهم البورصات الخليجية بنسبة تتراوح بين 3 و5%.

تؤدي هذه الزيادة في أسعار الطاقة بشكل مباشر إلى ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والتصنيع على مستوى العالم، كما تزيد من فاتورة الطاقة للدول المستوردة، الأمر الذي ينعكس على التضخم والأسعار المحلية. ومن ثم، يتضح أن الصراع الأمريكي–الإيراني لم يعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبح حدثًا استراتيجيًا ذا تأثيرات اقتصادية عالمية، تهدد استقرار الأسواق وأسعار الطاقة على نطاق واسع.

توسع الحرب

ردود الفعل الإيرانية قد تُحفّز تحالفات جديدة أو توسيع دائرة الصراع، خصوصًا إذا استخدمت طهران وكلاءها في العراق وسوريا ولبنان لشن هجمات ضد المصالح الأمريكية والإسرائيلية، ما يعني تحوّلًا في طبيعة الحرب من مواجهة ثنائية إلى مواجهة متعددة الأقطاب.

الخاتمة

الضربة الأمريكية على إيران في فبراير/شباط 2026 ليست مجرد عملية عسكرية، بل لحظة فارقة في التاريخ الاستراتيجي للشرق الأوسط. العملية تمثل توازنًا دقيقًا بين الردع العسكري والمصالح الاقتصادية والجيوسياسية، مع تحذير من أن أي خطأ قد يوسع رقعة الصراع.

في الوقت الذي يرى فيه البعض العملية كانتصار استراتيجي يضعف إيران على المدى الطويل، يحذر آخرون من دوامة عنف قد تمتد لتؤثر على الاستقرار العالمي والأسواق الاقتصادية. ما يجري ليس مجرد حرب فيزيائية، بل اختبار للقدرة الدولية على إدارة الأزمات، وتحليل المعادلات الاستراتيجية التي أسست لها عقود من الصراع.

المراجع:

أولًا: مصادر الأخبار والتحليل السياسي والعسكري

1- Reuters. (2026, 28 Feb.). Iran war throws oil market into biggest crisis in decades. Available at: https://www.reuters.com/markets/commodities/iran-war-throws-oil-market-into-biggest-crisis-decades-2026-02-28/ (Accessed 1 Mar. 2026).  

2- Financial Times. (2026). US not planning to tap strategic reserve as Iran war risks oil surge. Available at: https://www.ft.com/content/e85a07da-9a74-4942-ae22-3945773aeb82 (Accessed 1 Mar. 2026).  
3- Reuters. (2026, 27 Feb.). Barclays says Brent could reach $80 a barrel on US‑Iran tensions. Available at: https://www.reuters.com/business/energy/barclays-says-brent-could-reach-80-barrel-us-iran-tensions-2026-02-27/ (Accessed 1 Mar. 2026).  
 4- Reuters. (2026, 25 Feb.). Saudi Arabia boosts oil output, exports for US attack on Iran contingency, sources say. Available at: https://www.reuters.com/business/energy/saudi-arabia-boosts-oil-output-exports-us-attack-iran-contingency-sources-say-2026-02-25/ (Accessed 1 Mar. 2026).  
5- Le Monde / The Guardian. (2026, 28 Feb.). US strikes on Iran reignite fears of rising oil prices. Available at: https://www.lemonde.fr/en/international/article/2026/02/28/us-strikes-on-iran-reignite-fears-of-rising-oil-prices_6750963_4.html (Accessed 1 Mar. 2026).  
6- AP News. (2026, 1 Mar.). Iran fires missiles at Israel and Gulf states after US‑Israeli strike kills Khamenei. Available at: https://apnews.com/article/693bc30bbbc98660d81f4a13f65ca10f (Accessed 1 Mar. 2026).  

ثانيًا: مصادر تتعلق بأسواق الطاقة وأسعار النفط العالمية

7- Reuters. (2026, 25 Feb.). Oil climbs as US‑Iran tensions keep supply risks in focus. Available at: https://www.investing.com/news/commodities-news/oil-climbs-as-usiran-tensions-keep-supply-risks-in-focus-4526411 (Accessed 1 Mar. 2026).  
8- Reuters via Investing.com. (2026, 28 Jan.). Oil prices surge 3% to five‑month high on worries US could attack Iran. Available at: https://www.investing.com/news/commodities-news/oil-prices-rise-for-a-third-day-on-increasing-concerns-of-iran-attack-4471789 (Accessed 1 Mar. 2026).  
9- Al Jazeera (Arabic). (2026, 25 Feb.). ارتفاع مخزون النفط الإيراني في البحر.. مناورة تفاوضية أم استباق للحرب؟ Available at: https://www.aljazeera.net/ebusiness/2026/2/25/ارتفاع-مخزون-النفط-الإيراني-في-البحر (Accessed 1 Mar. 2026).  

ثالثًا: مصادر تحليلية وتوقّعات اقتصادية إضافية

10- Arabian Business Standard via Times of India. (2026). US‑Israel strikes on Iran: Crude prices in focus; OPEC+ may weigh bigger output hike. Available at: 
https://timesofindia.indiatimes.com/business/international-business/us-israel-strikes-on-iran-crude-oil-prices-in-focus-opec-may-weigh-bigger-output-hike/articleshow/128885625.cms (Accessed 1 Mar. 2026).

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. محمد الصاوي

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

محمد الصاوي يكتب: "ملحمة الغضب " الأمريكية على إيران.. أزمة استراتيجية تفجّر موازين القوة في الشرق الأوسط - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°