20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. محمد الصاوي يكتب: هل يمكن استيراد الدولة كما نستورد السلع؟

د. محمد الصاوي يكتب.. ليست أزمة الدولة في العالم غير الغربي أزمة موارد أو نخب فحسب، بل أزمة نموذج سياسي جرى استيراده دون جذوره الاجتماعية، وليس من السهل تفكيك إخفاقات الدولة في العالم غير الغربي دون الوقوع في التبسيط أو في جلد الذات

بقلم: د. محمد الصاوي
٢٣ يناير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
23 مشاهدة
د. محمد الصاوي يكتب: هل يمكن استيراد الدولة كما نستورد السلع؟

د. محمد الصاوي يكتب: هل يمكن استيراد الدولة كما نستورد السلع؟

لماذا تفشل الدولة حين لا تنبع من مجتمعها؟
قراءة نقدية في كتاب برتران بادي تكشف أزمة «الدولة المستوردة» وحدود التحديث السياسي بالتقليد.

ليست أزمة الدولة في العالم غير الغربي أزمة موارد أو نخب فحسب، بل أزمة نموذج سياسي جرى استيراده دون جذوره الاجتماعية.
وليس من السهل تفكيك إخفاقات الدولة في العالم غير الغربي دون الوقوع في التبسيط أو في جلد الذات. غير أن عالم الاجتماع والسياسة الفرنسي برتران بادي يقدّم، في كتابه المرجعي L’État importé (الدولة المستوردة: تغريب النظام السياسي)، واحدة من أكثر المقاربات عمقًا وجرأة في تفسير هذا الإخفاق، بعيدًا عن التفسيرات الأخلاقية أو الاختزالية التي تُحمِّل المجتمعات وحدها مسؤولية تعثرها السياسي.

ينطلق بادي من فرضية مركزية مفادها أن الدولة الحديثة ليست نموذجًا كونيًا محايدًا، بل هي نتاج مسار تاريخي أوروبي خاص، تشكّل عبر صراعات اجتماعية، وتحولات دينية، وبنى اقتصادية، وتوازنات سلطوية لا يمكن فصلها عن السياق الغربي الذي نشأت فيه. المشكلة، في نظره، لم تبدأ مع فشل الدولة في العالم الثالث، بل مع الاعتقاد بإمكانية استنساخ نموذج الدولة الغربية وتصديره بوصفه وصفة جاهزة صالحة لكل زمان ومكان.

فشل الاستيراد وأزمة الشرعية

يرى بادي أن ما جرى بعد الاستعمار لم يكن بناءً للدولة بقدر ما كان استيرادًا لشكلها الخارجي. دساتير مكتوبة، برلمانات، انتخابات، أجهزة إدارية حديثة… لكن دون الجذور الاجتماعية والثقافية التي تمنح هذه المؤسسات معناها ووظيفتها. هكذا نشأت دولة “من فوق”، مقطوعة الصلة بالتطور التاريخي الطبيعي لمجتمعاتها، ما ولّد قطيعة عميقة بين السلطة والمجتمع.

هذه القطيعة سرعان ما تحولت إلى أزمة شرعية مزمنة. فالدولة التي لا تستمد مشروعيتها من الذاكرة الجماعية ولا من منظومة القيم السائدة، تجد نفسها مضطرة لتعويض هذا النقص إما بالقوة الأمنية، أو بإعادة إنتاج الولاءات التقليدية نفسها التي ادّعت تجاوزها، من قبيلة وطائفة وعائلة وشبكات زبونية.

تغريب السياسة وانفصام الدولة عن المجتمع

في تحليله الدقيق، يبيّن بادي كيف تحوّل التحديث السياسي في كثير من دول آسيا وأفريقيا والعالم العربي إلى عملية تغريب شكلية. فالمؤسسات الحديثة وُجدت بوصفها قوالب قانونية، لكن الممارسة السياسية ظلّت محكومة بمنطق ما قبل الدولة. النتيجة كانت انفصامًا واضحًا: مجتمع يعيش وفق مرجعياته التقليدية، ودولة تحاول فرض نموذج قانوني وإداري لا يعكس هذا الواقع ولا يفهمه.

ومن هنا، لا يرى بادي في الدولة المتسلطة انحرافًا عارضًا، بل نتاجًا منطقيًا للدولة المستوردة. فحين تفشل الدولة في بناء شرعية ثقافية واجتماعية، تصبح السيطرة الأمنية البديل الوحيد لضمان البقاء.

التنمية المؤجلة

ولا يتوقف أثر هذا الخلل عند السياسة وحدها، بل يمتد إلى المجال التنموي. إذ يربط بادي بين فشل مشاريع التنمية وبين طبيعة الدولة نفسها، دولة لا تنبع من احتياجات مجتمعها ولا تعبّر عن أولوياته، فتتحول خطط التنمية إلى سياسات فوقية، معزولة، وقابلة للانهيار عند أول اختبار اجتماعي أو اقتصادي.

رمزية الغلاف ودلالة التجربة

اختيار صورة قادة حركة عدم الانحياز على غلاف الكتاب (نهرو، ناصر، نكروما، سوكارنو، تيتو) ليس تفصيلاً شكليًا. هؤلاء القادة مثّلوا لحظة أمل تاريخية في بناء دولة وطنية مستقلة بعد الاستعمار، لكنهم وجدوا أنفسهم محاصرين بنموذج الدولة الغربية الذي لم يستطيعوا الفكاك منه، ولا تكييفه بالكامل مع واقع مجتمعاتهم.

خلاصة

لا يدعو برتران بادي إلى رفض الحداثة، ولا إلى تمجيد البنى التقليدية، بل يقدّم نقدًا جذريًا لفكرة التحديث بالتقليد. فالدولة، في جوهرها، ليست مؤسسة تقنية تُستورد، بل بناء اجتماعي وثقافي وتاريخي معقّد. والاستقرار السياسي، كما يخلص، لا يتحقق بمحاكاة الغرب، بل بقدرة المجتمعات على إنتاج صيغها الخاصة للدولة، صيغ تنبع من تاريخها، وتستجيب لواقعها، وتستمد شرعيتها من داخلها لا من خارجها.


والسؤال الذي يظل مفتوحًا: هل ما زالت مجتمعات العالم غير الغربي قادرة على إنتاج نموذجها الخاص للدولة، أم أن زمن الاستيراد لم ينتهِ بعد؟

المرجع:
‏Badie, B. (1992). L’État importé: Essai sur l’occidentalisation de l’ordre politique. Paris: Fayard.

د. محمد الصاوي

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

د. محمد الصاوي يكتب: هل يمكن استيراد الدولة كما نستورد السلع؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°