محمد خميس
في تصعيد جديد يهدد الضفة الغربية، حذّر القيادي في حركة المقاومة الإسلامية "حماس" عبد الرحمن شديد من أن الهجمات الوحشية التي ينفذها المستوطنون الإسرائيليون في محافظات نابلس والخليل ورام الله، خصوصًا خلال موسم حصاد الزيتون، تمثل “سياسة إرهاب منظم” تستهدف الأرض والإنسان وكل مكونات الحياة الفلسطينية.
وقال شديد، في تصريح صحفي اليوم السبت، إن هذه الاعتداءات المتكررة تأتي “في سياق العدوان الشامل على الشعب الفلسطيني منذ حرب الإبادة في غزة”، موضحًا أن الاحتلال يسعى من خلالها إلى توسيع رقعة الاستيطان و“ترويع السكان ودفعهم إلى ترك أراضيهم ضمن مخطط الضم والتهجير القسري الذي ترعاه الحكومة الإسرائيلية الفاشية”.
موسم الزيتون يتحول إلى موسم مواجهة
عادةً ما يشكل موسم قطف الزيتون مناسبة وطنية واجتماعية تجمع العائلات الفلسطينية في الحقول والبيارات، لكنه تحوّل هذا العام إلى موسم خطر ومواجهة مفتوحة مع المستوطنين، الذين كثّفوا اعتداءاتهم على المزارعين في مختلف مناطق الضفة الغربية، لا سيما في القرى الواقعة قرب المستوطنات والبؤر العشوائية.
ووفق منظمات حقوقية فلسطينية، شهدت الأسابيع الأخيرة عشرات الهجمات على المزارعين، شملت حرق أشجار الزيتون، وسرقة المحاصيل، والاعتداء الجسدي على الفلاحين، تحت حماية جنود الاحتلال أو بتواطؤ مباشر منهم.
وتؤكد الإحصائيات أن نحو 10 آلاف شجرة زيتون أُحرقت أو اقتُلعت خلال الموسم الجاري في محافظات نابلس وسلفيت وبيت لحم والخليل، بينما مُنع مئات المزارعين من الوصول إلى أراضيهم الواقعة خلف الجدار أو بمحاذاة المستوطنات.
“إرهاب منظم” برعاية الحكومة الإسرائيلية
وأوضح عبد الرحمن شديد أن “ما يجري في الضفة الغربية ليس أحداثًا عشوائية أو ردود فعل فردية، بل هو سياسة ممنهجة تشجعها حكومة الاحتلال ضمن رؤية واضحة للضم الزاحف والاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الفلسطينية”.
وأضاف: “هذه الاعتداءات تجري بتغطية رسمية من وزراء اليمين المتطرف وعلى رأسهم بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، اللذين يعلنان جهارًا دعم المستوطنين في ما يسمونه (حماية المستوطنات) بينما هو في الحقيقة إرهاب منظم لإخلاء الفلسطينيين من أراضيهم”.
ويرى مراقبون أن تزايد عنف المستوطنين في الضفة الغربية خلال الأسابيع الأخيرة يأتي في إطار استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى تحويل الأنظار عن فشلها في غزة، عبر تصعيد موازٍ في الضفة لإحكام السيطرة عليها وفرض وقائع جديدة على الأرض.
دعوة لتفعيل اللجان الشعبية وحماية القرى
وتوجّه القيادي في "حماس" بالتحية إلى المزارعين الفلسطينيين الصامدين الذين يواجهون اعتداءات المستوطنين بـ"صدورهم العارية وإرادتهم الصلبة"، داعيًا إلى تفعيل دور اللجان الشعبية في القرى والبلدات الفلسطينية لحماية الأراضي والمزارعين، وتشكيل حالة ردع شعبية منظمة لمنع استمرار هذه الاعتداءات.
وقال شديد إن “الدفاع عن الأرض واجب وطني، وعلى المجتمع الفلسطيني أن يقف صفًا واحدًا في مواجهة سياسة الاستيطان والتهجير، لأن الاحتلال لا يفهم إلا لغة القوة والإصرار على البقاء”.
وتشهد قرى جنوب نابلس وشرق رام الله خلال الأسابيع الأخيرة حملات تطوعية شبابية لمرافقة المزارعين وحمايتهم أثناء قطف الزيتون، فيما أطلقت مؤسسات محلية مبادرات لتوثيق الانتهاكات وبثها على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لكشف حجم العدوان أمام العالم.
مطالب بتحرك دولي عاجل
ودعا شديد المؤسسات الحقوقية الدولية والأممية إلى التحرك العاجل لتوثيق جرائم المستوطنين ومحاسبة الاحتلال الإسرائيلي على هذه الانتهاكات التي وصفها بأنها “ترقى إلى جرائم حرب بموجب القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف”.
وأضاف أن “السكوت الدولي على ما يجري في الضفة يشجع الاحتلال على التمادي، كما أن استمرار الدعم الأميركي والإفلات من العقاب يجعلان المستوطنين يشعرون أنهم فوق القانون”.
وشدد على أن “الاحتلال يستخدم المستوطنين كأداة تنفيذية لسياسة السيطرة والضم، بحيث يقومون بالاعتداءات بينما تتفرغ المؤسسة العسكرية لترسيخ البؤر الاستيطانية وحماية المعتدين”.
صمود رغم القمع والإبادة
وأكد القيادي في “حماس” أن الشعب الفلسطيني “سيواصل صموده وثباته في أرضه رغم كل أشكال القمع والإرهاب، وأن زيتون فلسطين سيبقى رمزًا للتجذر والحرية والانتماء”، مضيفًا أن الاحتلال لن يتمكن من كسر إرادة المزارعين الذين “يجسدون معنى المقاومة اليومية بالأرض والعرق والدم”.
وفي السياق ذاته، اعتبر محللون أن الاعتداءات المتكررة على المزارعين الفلسطينيين تشكل حلقة في “سلسلة الإبادة البطيئة” التي تمارسها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، سواء في غزة عبر القصف والتجويع، أو في الضفة عبر التهجير والاستيطان الممنهج.
ويرى خبراء أن ما يحدث في الضفة هو “استكمال لسياسة السيطرة الشاملة” التي تسعى من خلالها إسرائيل إلى “إغلاق ملف الدولة الفلسطينية المستقلة وإقامة نظام فصل عنصري دائم”.
تحليل سياسي وسياق أوسع
يأتي تصاعد إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية في ظل حالة من الجمود الدولي، إذ فشلت الأمم المتحدة ومجلس الأمن في اتخاذ خطوات عملية لوقف الانتهاكات، رغم توثيق عشرات الجرائم بحق المزارعين والمدنيين.
ويشير مراقبون إلى أن غياب الردع الدولي والتواطؤ الأميركي مع إسرائيل يفتحان الباب أمام تنفيذ خطة ضم تدريجية للمنطقة “ج” التي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية، ما يعني فعليًا دفن أي أفق لحل الدولتين.
وبينما تواصل إسرائيل سياسة القمع في غزة والضفة، يراهن الفلسطينيون على صمودهم الشعبي وتمسكهم بالأرض كأقوى أشكال المقاومة، إذ باتت شجرة الزيتون — التي تتعرض اليوم للحرق والاقتلاع — رمزًا للتحدي والبقاء الفلسطيني في وجه آلة الاستيطان والقتل.









