20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

هل تحولت اعتداءات المستوطنين في الضفة إلى سياسة ممنهجة؟

بقلم: أخبار ومتابعات
٢٦ أكتوبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
28 مشاهدة
هل تحولت اعتداءات المستوطنين في الضفة إلى سياسة ممنهجة؟

محمد خميس

في تصعيدٍ جديد للعنف في الضفة الغربية المحتلة، أطلق مستوطنون إسرائيليون النار تجاه مزارعين فلسطينيين في بلدة سنجل شمالي رام الله، ما أثار حالة من الخوف والغضب في صفوف الأهالي، وسط تحذيرات من أن هذه الحوادث لم تعد مجرد اعتداءاتٍ فردية، بل باتت سياسةً ممنهجةً تهدف إلى ترهيب السكان الفلسطينيين وتهجيرهم من أراضيهم الزراعية.

وبحسب مصادر محلية، أقدم عدد من المستوطنين المسلحين القادمين من بؤرة استيطانية قريبة من البلدة على إطلاق النار صوب مجموعة من المزارعين أثناء عملهم في أراضيهم الزراعية الواقعة شرق سنجل. ولم تُسجَّل إصابات مباشرة، إلا أن المزارعين اضطروا إلى مغادرة المنطقة خوفًا على حياتهم، في حين وصلت قوات من جيش الاحتلال إلى المكان، لكنها لم تتدخل لردع المستوطنين أو اعتقال أيٍّ منهم.

تصاعد خطير في اعتداءات المستوطنين

تُعدّ بلدة سنجل واحدة من أكثر المناطق الفلسطينية استهدافًا من قِبل المستوطنين خلال الأشهر الأخيرة، إذ تتكرر الاعتداءات فيها بشكل شبه يومي، خاصة خلال مواسم الزراعة وقطف الزيتون. ويرى الأهالي أن الهدف الواضح من هذه الهجمات هو حرمان المزارعين من الوصول إلى أراضيهم وإجبارهم على تركها، تمهيدًا لتوسيع المستوطنات المقامة على أراضي البلدة.

ويقول المواطن خالد شحادة، وهو أحد المزارعين الذين تعرضوا للاعتداء، إن المستوطنين “هاجمونا ونحن نحصد الزيتون، وأطلقوا النار في الهواء وعلى الأشجار لإخافتنا، بينما اكتفى جيش الاحتلال بالمشاهدة من بعيد”. ويضيف: “هذا المشهد يتكرر كل موسم، والهدف واضح: سرقة الأرض”.

بحسب إحصاءات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، فقد ارتفعت اعتداءات المستوطنين بنسبة تزيد عن 40% منذ بداية العام، فيما سُجلت عشرات الإصابات والاعتداءات على المزارعين، فضلًا عن حرق مئات الأشجار وتخريب الممتلكات.

غياب المحاسبة وتشجيع رسمي

يؤكد ناشطون في مجال حقوق الإنسان أن هذه الاعتداءات تحظى بتغطية سياسية وعسكرية من حكومة الاحتلال، التي وفّرت الحماية للمستوطنين ومنحتهم حرية التحرك داخل القرى الفلسطينية. ويشيرون إلى أن غياب أي محاسبة أو مساءلة قانونية يشجع المستوطنين على ارتكاب مزيد من الجرائم.

وقال غسان دغلس، مسؤول ملف الاستيطان في شمال الضفة الغربية، إن “اعتداءات المستوطنين في سنجل وما حولها ليست حوادث عشوائية، بل تأتي ضمن خطة إسرائيلية لتوسيع السيطرة على الأراضي الزراعية الفلسطينية”. وأضاف أن “إطلاق النار على المزارعين يهدف إلى ترهيبهم وإبعادهم عن الأرض حتى تصبح لاحقًا مناطق مغلقة أو مخصصة للتوسع الاستيطاني”.

ويرى مراقبون أن التواطؤ الميداني بين الجيش والمستوطنين أصبح ظاهرة واضحة، إذ غالبًا ما يتزامن اعتداء المستوطنين مع وجودٍ عسكريٍ إسرائيليٍ مكثف في محيط القرى الفلسطينية، ما يمنح المهاجمين شعورًا بالأمان والإفلات من العقاب.

أهداف خفية وراء الاعتداءات

بحسب دراسات ميدانية فلسطينية، فإن الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون تهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:

الاستيلاء على الأراضي الزراعية من خلال ترهيب أصحابها وإجبارهم على تركها.

فرض واقعٍ أمني جديد في محيط المستوطنات عبر توسيع مناطق “النفوذ الأمني”.

تغيير الطابع الديمغرافي في مناطق شمال ووسط الضفة، خصوصًا في القرى القريبة من الطرق الالتفافية التي يستخدمها المستوطنون.

ويؤكد الباحث السياسي علاء الريماوي أن “الهجمات ضد المزارعين في سنجل تتكامل مع سياسة استيطانية واضحة، تتبناها الحكومة الإسرائيلية اليمينية بقيادة نتنياهو وبتحريضٍ من وزراء متطرفين مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش”.

وأضاف: “ما يجري في سنجل ليس عملًا فرديًا، بل تطبيق ميداني لسياسة الضغط الديمغرافي، لإجبار الفلسطينيين على مغادرة أراضيهم الزراعية تدريجيًا”.

الأرض في قلب الصراع

تُعتبر الأراضي الزراعية في بلدة سنجل من أكثر المناطق خصوبة في شمال رام الله، إذ تمتد على تلالٍ تحيط بها المستوطنات الإسرائيلية مثل “معاليه ليفونا” و“عيلي”، اللتين تشهدان توسعًا استيطانيًا متسارعًا. ويعتمد مئات المزارعين في البلدة على الزراعة كمصدرٍ أساسيٍّ للرزق، خصوصًا في موسم الزيتون الذي يُمثل رمزًا وطنيًا واقتصاديًا للفلسطينيين.

لكن هذا الموسم بات يُواجه تصعيدًا غير مسبوق من عنف المستوطنين، الذين يستخدمون السلاح لترهيب المزارعين وحرق أشجار الزيتون وقطعها، في ظلّ صمتٍ دوليٍ متزايد. وتقول منظمات حقوقية فلسطينية إن أكثر من 15 ألف شجرة زيتون تعرضت للتخريب منذ بداية العام، معظمها في مناطق شمال رام الله ونابلس وسلفيت.

دعوات للحماية الدولية

طالبت وزارة الزراعة الفلسطينية وهيئة مقاومة الجدار والاستيطان المجتمع الدولي بتوفير حماية عاجلة للمزارعين الفلسطينيين في مناطق التماس مع المستوطنات، ودعت إلى محاسبة المستوطنين المسؤولين عن هذه الاعتداءات، معتبرة أن استمرار الصمت الدولي يشجع إسرائيل على مواصلة سياسة التطهير العرقي البطيء في الضفة الغربية.

كما دعت منظمات المجتمع المدني إلى تشكيل لجان حماية شعبية لمرافقة المزارعين خلال عملهم في الأراضي الزراعية، خاصة في مناطق مثل سنجل التي تشهد احتكاكات شبه يومية مع المستوطنين المسلحين.

 إلى أين تتجه الأمور؟

يبقى السؤال الأبرز الذي يطرحه الفلسطينيون اليوم: إلى أين تتجه الأمور في ظلّ تصاعد عنف المستوطنين وغياب الردع؟
فما حدث في سنجل ليس حادثة معزولة، بل حلقة جديدة في مسلسلٍ طويلٍ من الاعتداءات التي تستهدف الإنسان والأرض معًا، في إطار سياسة تهدف إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية.

وفي الوقت الذي تكتفي فيه سلطات الاحتلال بتبرير جرائم المستوطنين أو غضّ الطرف عنها، يواصل المزارعون الفلسطينيون تمسكهم بأرضهم رغم الخطر، مؤكدين أن “الزيتون الذي نزرعه اليوم هو شهادة على البقاء، رغم الرصاص والتهديد”.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

هل تحولت اعتداءات المستوطنين في الضفة إلى سياسة ممنهجة؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°