يعكس الاتفاق المفاجئ بين واشنطن وبكين تحولًا في مسار الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، ويمثل محاولة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة صياغة العلاقات مع الصين عبر مقايضة اقتصادية وأمنية تتصل مباشرة بأحد أخطر ملفات الصحة العامة في أمريكا، وهو ملف الفنتانيل القاتل. كما يحمل الاتفاق بُعدًا استراتيجيًا يتعلق بسوق المعادن النادرة التي تُعد ركيزة الصناعات العسكرية والتكنولوجية الحديثة.
ما الذي يحدث؟
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه توصّل إلى اتفاق مع نظيره الصيني شي جين بينغ يقضي بخفض الرسوم الجمركية المفروضة على الصين، مقابل التزام بكين باتخاذ إجراءات صارمة ضد تجارة الفنتانيل غير المشروعة، واستئناف مشتريات فول الصويا الأمريكي، وضمان استمرار صادرات المعادن النادرة الحيوية.
جاء هذا الاتفاق عقب لقاء مباشر بين ترامب وشي في مدينة بوسان الكورية الجنوبية، هو الأول بينهما منذ عام 2019، ليختتم الرئيس الأمريكي بذلك جولة آسيوية حافلة بالاتفاقات التجارية مع كوريا الجنوبية واليابان وعدد من دول جنوب شرق آسيا.
وقال ترامب للصحفيين على متن طائرته الرئاسية بعد مغادرته بوسان: "كان لقاءً مذهلًا"، مضيفًا أنه يمنحه "12 من 10 نقاط" في تقييمه الشخصي.
تفاصيل اتفاق ترامب وشي
وفق تصريحات ترامب، سيتم خفض الرسوم الجمركية على الواردات الصينية إلى 47% بدلًا من 57%، عبر تقليص نصف الرسوم المفروضة على تجارة المواد الأولية المرتبطة بإنتاج الفنتانيل إلى 10%. وأوضح أن شي "سيعمل بجد كبير لوقف تدفق الفنتانيل"، وهو المخدر الصناعي الذي يُعد السبب الأول في وفيات الجرعات الزائدة داخل الولايات المتحدة. وأضاف ترامب أن خفض الرسوم جاء لأنه "يؤمن بأن الصين تتخذ هذه المرة إجراءات حقيقية".
كما وافقت الصين على تعليق القيود التي أعلنتها هذا الشهر على صادرات المعادن النادرة لمدة عام، وهي عناصر تُستخدم في صناعة السيارات والطائرات والأسلحة، وتُعد أحد أهم مصادر نفوذ بكين في حربها التجارية مع واشنطن. وأعلنت وزارة التجارة الصينية أن الجانبين توصلا أيضًا إلى "تفاهم مشترك حول التعاون في ملف الفنتانيل وتوسيع التجارة الزراعية".
ورغم الطابع الإيجابي للاتفاق، كانت استجابة الأسواق العالمية محدودة؛ إذ تذبذبت مؤشرات آسيا وأوروبا بين المكاسب والخسائر. كما تراجع مؤشر "شنغهاي المركّب" من أعلى مستوى له خلال عشر سنوات، وانخفضت العقود الآجلة لفول الصويا الأمريكي.
وقالت الخبيرة الاقتصادية بيسا ديدا من شركة "ويليام باك" في سيدني إن "رد فعل الأسواق كان حذرًا على عكس الحماس الذي عبّر عنه ترامب في وصفه للقاء".
ما وراء الكواليس:
من بين الشركاء التجاريين الكبار لأمريكا، لا تزال البرازيل والهند فقط خاضعتين لرسوم مرتفعة. وجاء اللقاء بين ترامب وشي بعد أسابيع من ارتفاع قياسي في أسواق الأسهم العالمية من وول ستريت إلى طوكيو، على خلفية آمال في اختراق الأزمة التجارية التي عطلت سلاسل الإمداد وزعزعت ثقة الشركات الكبرى حول العالم.
اللقاء الودي الذي جرى على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (APEC) استمر أكثر من ساعة ونصف، وأكد ترامب خلاله أنه يسعى إلى "اتفاق شامل" مع الصين، بعد إعلان واشنطن الأحد الماضي عن التوصل إلى "إطار تفاهم" يجنّب فرض رسوم أمريكية بنسبة 100% على السلع الصينية ويؤجل قيود الصين على صادرات المعادن النادرة.
ما يقولونه:
قال الرئيس الصيني شي جين بينغ إن "الاحتكاكات بين القوى الكبرى أمر طبيعي بين الحين والآخر"، مضيفًا عبر مترجم: "إن نهضة الصين وتطورها لا يتعارضان مع هدف الرئيس ترامب في جعل أمريكا عظيمة من جديد".
وفي مقابل تخفيف الرسوم على الفنتانيل، سعت بكين إلى تخفيف القيود المفروضة على صادرات التكنولوجيا الأمريكية الحساسة، وإلغاء الرسوم الجديدة التي فرضتها واشنطن على السفن الصينية في موانئها، وهي رسوم قالت إنها تستهدف كبح الهيمنة الصينية في مجالات بناء السفن والشحن واللوجستيات.
أما ترامب، فلم يعلن تفاصيل أي تنازلات أمريكية مباشرة، لكنه أكد أن الصين ستبدأ "فورًا بشراء كميات ضخمة من فول الصويا والمنتجات الزراعية الأمريكية"، مشيرًا إلى أن بكين كانت قد اشترت بالفعل أول شحنات من فول الصويا الأمريكي منذ عدة أشهر، بحسب تقارير إعلامية أمريكية.
نظرة قريبة:
أوضح البيت الأبيض أن القمة الحالية هي "الأولى ضمن سلسلة لقاءات مرتقبة بين الزعيمين خلال العام المقبل"، وكشف ترامب أنه يعتزم زيارة الصين في أبريل القادم قبل أن يستقبل شي في الولايات المتحدة.
وفيما يخص قطاع التكنولوجيا، نفى ترامب أن يكون قد ناقش مع شي ملف شريحة الذكاء الاصطناعي المتطورة "بلاكويل" من إنتاج شركة "إنفيديا"، رغم تلميحات سابقة بأنه قد يثير القضية. وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى أن الشركة الأمريكية تعمل على تطوير نسخة منخفضة الأداء من الشريحة لتباع في الصين.
ترامب قال أيضًا إن مبيعات إنفيديا داخل السوق الصينية "مسألة تخص الشركة نفسها"، مؤكدًا أنه لن يتدخل في تلك المحادثات رغم أهميتها في سوق الذكاء الاصطناعي الصيني الذي يقدّر بنحو 50 مليار دولار.
ما الذي لم يُناقش؟
أكد ترامب أن قضية تايوان – الجزيرة الديمقراطية التي تعتبرها الصين جزءًا من أراضيها – لم تُطرح في الاجتماع، رغم حساسيتها البالغة في العلاقات الثنائية.
لكنه أصدر قبل بدء لقائه مع شي مباشرة أمرًا للجيش الأمريكي باستئناف اختبار الأسلحة النووية بعد توقف دام 33 عامًا، مبررًا القرار بتنامي الترسانتين النوويتين الروسية والصينية.
وردّت وزارة الخارجية الصينية بالتعبير عن "أملها في أن تلتزم الولايات المتحدة بوقف الاختبارات النووية وتجنب سباق تسلح جديد".
الواقع:
يبدو أن واشنطن وبكين تسعيان، رغم التوترات، إلى إعادة هندسة علاقتهما بما يحقق لكل طرف مكاسب داخلية ملموسة؛ فترامب يسعى إلى تهدئة الأسواق وتعزيز صورته كصانع صفقات قبيل معركة انتخابية جديدة، بينما تحاول الصين كسب الوقت وتجنب تصعيد اقتصادي يهدد نموها. ومع ذلك، تبقى الحرب التجارية والرقمية بين القوتين مفتوحة على احتمالات أكبر بكثير من اتفاق مؤقت حول الفنتانيل أو فول الصويا.









