في تحذيرات تُعد من الأكثر قسوة منذ اندلاع الحرب السودانية، أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر، أن مدينة الفاشر في إقليم دارفور تشهد كارثة إنسانية غير مسبوقة، محمِّلًا قوات الدعم السريع مسؤولية منع وصول المساعدات الإنسانية وارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين.
وخلال إفادته أمام مجلس الأمن الدولي، قال فليتشر إن "الفاشر شهدت مستويات كارثية من المعاناة الإنسانية"، مشيرًا إلى أن القوات المتمردة نفذت عمليات إعدام واسعة النطاق بعد دخولها المدينة، واصفًا الوضع بأنه "إحدى أحلك اللحظات في تاريخ السودان الحديث".
انهيار شامل في الفاشر
بحسب المسؤول الأممي، فإن قوات الدعم السريع تمنع وصول المساعدات الإنسانية إلى عشرات الآلاف من المدنيين الذين يعيشون ظروفًا مأساوية داخل المدينة. وأضاف أن 20% من المدنيين الذين قُتلوا في الفاشر هم من الأطفال، ما يعكس حجم الكارثة الإنسانية.
وأكد فليتشر أن الأمم المتحدة تلقت تقارير موثقة عن إعدامات ميدانية وتعذيب واعتقالات عشوائية نفذتها قوات الدعم السريع ضد المدنيين ومقاتلين سابقين من الجيش السوداني. كما لفت إلى أن المدينة تشهد نقصًا حادًا في الغذاء والدواء والمياه، مع انهيار كامل للخدمات الصحية.
مجاعة مؤكدة وجوع يفتك بالملايين
في أخطر تصريح أممي منذ بداية الحرب، قال وكيل الأمين العام إن السودان يعيش أزمة جوع مؤكدة، موضحًا أن أكثر من 40% من السكان لا يحصلون على طعام كافٍ، وأن البلاد "على أعتاب مجاعة واسعة النطاق".
وأضاف أن "المدنيين في دارفور وكردفان والخرطوم يدفعون ثمن الصراع المسلح بين الجيش والدعم السريع"، مؤكدًا أن استمرار القتال وعرقلة المساعدات الإنسانية يعني "حكمًا بالموت البطيء على ملايين السودانيين".
وأشار فليتشر إلى أن دول جوار السودان تستعد لموجات نزوح جماعي مع استمرار القتال في مناطق جديدة، محذرًا من أن المنطقة بأسرها قد تواجه أزمة إنسانية عابرة للحدود خلال الأسابيع المقبلة.
نداء عاجل لوقف العنف
وجّه فليتشر نداءً عاجلًا إلى طرفي النزاع، داعيًا إلى وقف فوري وشامل للعنف، ومطالبًا جميع الأطراف بالسماح "بوصول المساعدات الإنسانية إلى جميع المحتاجين دون عوائق".
كما دعا المسؤول الأممي الدول التي تقدم الأسلحة إلى أطراف النزاع في السودان إلى "التفكير بمسؤوليتها الأخلاقية والقانونية"، في إشارة إلى الدول الإقليمية المتورطة في تزويد الدعم السريع بالأسلحة والمعدات العسكرية.
وقال فليتشر:
"من يقدم السلاح اليوم يسهم في قتل الأبرياء غدًا. هذه حرب يجب أن تتوقف فورًا، لأن استمرارها يعني مجاعة وموتًا ومعاناةً بلا حدود".
الفشل في حماية المدنيين.. أزمة عجز أم تواطؤ؟
اعترف المسؤول الأممي بأن الفشل في حماية المدنيين أصبح من أبرز معالم الأزمة السودانية، لافتًا إلى أن المنظمات الدولية تواجه عقبات سياسية وأمنية خطيرة تحول دون عملها في الميدان.
وقال مراقبون إن تصريحات فليتشر تُعد بمثابة اتهام مباشر للمجتمع الدولي بالعجز عن كبح جرائم الحرب في السودان، رغم التحذيرات المتكررة من الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان.
ويرى محللون أن انقسام المواقف الدولية والإقليمية، إلى جانب استمرار تدفق السلاح على طرفي الصراع، جعل من الأزمة السودانية حربًا بالوكالة تهدد استقرار القرن الأفريقي بأكمله.
المسؤولية الدولية والسيناريوهات القادمة
تأتي هذه التصريحات بعد أسابيع من دعوات متكررة أطلقتها مصر وإريتريا والاتحاد الأفريقي لوقف الحرب في السودان، وضرورة دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وعلى رأسها الجيش السوداني، لمنع تفكك البلاد.
ويرى خبراء أن تفاقم المجاعة وتوسع الانتهاكات في الفاشر قد يدفع الأمم المتحدة إلى تبني قرارات أكثر صرامة، مثل فرض عقوبات على قيادات الدعم السريع أو تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة.
لكن في ظل تراجع الإرادة الدولية وتركيز القوى الكبرى على صراعات أخرى كأوكرانيا وغزة، تبدو آفاق الحل في السودان محدودة للغاية، ما ينذر بمزيد من الفوضى والنزوح والانهيار الإنساني.










